مهدي عبدالله حامد: الصفوف تمايزت “الشيوعيين والإسلاميون” في خندق الدولة العميقة
مهدي عبدالله حامد
لئن كان التاريخ السوداني قد عودنا على المفاجآت، فإن ما نعيشه اليوم يتجاوز حدود المنطق ويتخطى خيال الأُدباء والروائيين، إذ نشهد لحظة تاريخية “متناقضة” تتساقط فيها الأقنعة الأيديولوجية لتكشف عن وجه قبيح لوحدة نخب المركز، على الرغم من أن الساحة السياسية ظلت لعقود مسرحًا لصراع محموم بين “الحزب الشيوعي السوداني” والتيار “الإسلامي” صراعًا خُيل للناس أنه وجودي لا يقبل القسمة على اثنين، بيد أن رياح الخامس عشر من أبريل قد أثبتت أن “العداء الظاهر” ليس إلا قشرة رقيقة تخفي تحتها “ولاءً طبقيًا ومركزيًا” للدولة التي أسسها المستعمر وصانها هؤلاء بتبادل الأدوار، إنها المفارقة التي تجعل المرء يضحك ملء فيه، فمن كان يلعن “الرجعية” صار اليوم ظهيرًا لها، ومن كان يكفر “الإلحاد” بات يجد في تقارب الزملاء الشيوعيين سندًا سياسيًا لا يقدّر بثمن، ويبدو أن الخوف من “القادمين من الأطراف” قد وحد القلوب التي كانت شتى.
وبما أنُ الأزمة السودانية الحالية قد بلغت ذروتها، فقد تعرت المواقف، وأظهرت للعيان أن هناك تنسيقًا خفيًا يدار بعناية فائقة، أي أن الحزب الشيوعي، الذي صدع رؤوسنا بـ”التغيير الجذري” وجد نفسه يغض الطرف عن جرائم “جيش النظام البائد” بل ويمده بغطاء سياسي ناعم عبر بيانات ملتوية تتحامل على “الآخر” (القادم من الهامش) وتصمت صمت القبور أمام انتهاكات النخبة العسكرية الحاكمة، وعلاوة على ذلك، فإن ظهور وجوه بارزة من المحسوبين على التيار الشيوعي داخل أروقة صناعة القرار في “مكتب البرهان” ليس محض صدفة أو “تسللًا” فردياً، وانما هي جزء من ترتيبات الحفاظ على هيكلية “دولة النخب” خوفًا من انهيار المركز أمام زحف القوى التي طال تهميشها.
ومن نافلة القول إن هذا التلاقي لم يكن وليد اللحظة، فالمراقب الفطن يلحظ أن لغة خطاب الحزب الشيوعي في العامين الأخيرين قد استعارت، وبشكل يثير السخرية، ذات المفردات “الإسلاموية” ذات البعد الجهوي والعنصري لتوصيف القوى المقاتلة، لئن كان هذا التناقض يثير الضحك، فهو ضحك كالبكاء، إذ كيف لـ”طليعة الجماهير” أن تستخدم لغة “تجار الدين” لتخوين المكونات الاجتماعية الأخرى، فإنهم يتبادلون الأدوار ببراعة، فالإسلاميون يشعلون الحرب، والشيوعيون يبررونها سياسيًا تحت لافتة “السيادة الوطنية” و”حماية الدولة” وهي ذات الدولة التي أذاقتهم الأمرين، لكن يبدو أن “وجع البطن ولا كتل الضنا” فالدولة المركزية هي “الرحم” الذي يغذي كلاهما.
فهذا التحالف غير المعلن ما هو إلا “دفاع عن الامتيازات التاريخية” لنخبة الخرطوم، إنهم يشعرون بأن البساط سيسحب من تحت أقدامهم، فقرروا التخندق في خندق واحد، ولئن كان الإسلاميون هم “الجسد” الصلب لهذا النظام، فإن الشيوعيين قد ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا “الروح” التي تمنحه الشرعية السياسية في المحافل الدولية والصالونات الفكرية، متناسين تلال الجثث والدمار، ومركزين فقط على صد “الخطر الجغرافي” القادم من بعيد.
ومن هدايا الأقدار فان المحصلة النهائية لهذه الحرب، رغم مآسيها، أنها كانت “الفاضحة” الكبرى التي أنهت أسطورة الصراع الفكري في السودان، لتثبت أن الصراع الحقيقي هو صراع “وجود” بين مركز متكلس وأطراف ناهضة، وعليه فإن الصفوف تمايزت والضرورة تقتضي منا أن ندرك أن “من شابه أباه فما ظلم” وهؤلاء “أبناء شرعيون” لمدرسة سياسية واحدة تؤمن بالاستعلاء والسيطرة، وكما أن الخلاصة التي تعد معجزة في فهم الكياسة السودانية هي أن الأيديولوجيا في بلادنا ليست إلا “ثوبًا” يرتديه الساسة، ولكن “الجسد” واحد، وهو جسد النخبة التي لا ترى في السودان إلا الخرطوم، فلقد كشفت الحرب العورات، وأظهرت أن “الشيوعي” و”الإسلامي” هما وجهان لعملة واحدة حينما يتعلق الأمر بتهديد نفوذهم التاريخي، يا سادة إنها الحقيقة الدامغة التي لا ينكرها إلا مكابر، وكما قيل “إذا طلع الصباح، كف عن المصباح” وقد طلع صباح الحقيقة المرّة، فما عاد لخطاب “الزملاء الشيوعيين” ولا لـ”هتاف” الإسلاميين أي بريق أمام وعي الجماهير الذي تجاوزتهم جميعًا.
وكما ان الحقيقة التي لا يغطيها غربال الأكاذيب هي أن السودان القديم يلفظ أنفاسه الأخيرة، وما هذا التلاحم بين المرعوبين الشيوعي والإسلاموي ليس إلا “رقصة المذبوح” التي تسبق السقوط الكبير، لتعلم هذه النخب أن التاريخ لا يعود للوراء، وأن القادمين من الفيافي والوديان لا يحملون السلاح حبًا في الحرب، وانما كفرًا بدولة “المحاصصة” التي يديرها الشيوعي بمكره الخبيث والإسلامي مال الدم السوداني، وهذه الرسالة نضعها في بريد “السودان القديم” مفادها إنَّ ديدن الشعوب هو التحرر، وإن “الحكمة لا تسكن القلوب الخائفة” فمن راهن على حماية “المركز” بظلم “الأطراف” فقد راهن على السراب، وحتمًا ستنتهي هذه الحرب يومًا ما بإنتصار قوى السُّودان الجديد، ولن يبقى في الذاكرة إلا وجوه الذين خانوا شعاراتهم ليحرسوا كراسي أعدائهم، فالعار لا يمحوه “بيان” سياسي، والحق لا تقتله “رصاصة” طائشة.
