“مبادئ برلين الـ12” ترسم مساراً دولياً جديداً لإنهاء حرب السودان وانتقاله إلى حكم مدني شامل
اعتمدت قوى دولية وإقليمية في مؤتمر برلين “مبادئ برلين الـ12” كإطار سياسي جديد يهدف إلى إنهاء الحرب في السودان، عبر هدنة إنسانية فورية ووقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال مدني يقودها السودانيون، في مسعى دولي متصاعد لمعالجة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وكالات – بلو نيوز
اعتماد مبادئ برلين: محاولة دولية لرسم مسار جديد نحو إنهاء حرب السودان
في لحظة تتقاطع فيها المأساة الإنسانية مع الانسداد السياسي، اعتمد وزراء خارجية دوليون وإقليميون، إلى جانب منظمات دولية، مجموعة من المبادئ التوجيهية في مؤتمر برلين تهدف إلى وضع حد لحرب السودان، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار النزاع لم يعد يهدد استقرار البلاد وحدها، بل يفاقم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. ويأتي هذا التوافق الدولي في وقت تغيب فيه الحكومة الموالية للجيش عن طاولة النقاش، بعد أن لم تتلقَّ دعوة للمشاركة، ما دفعها إلى حملة دبلوماسية لرفض المؤتمر والتقليل من أهميته.
وتستند الوثيقة، التي تضم 12 بندًا، إلى مواقف الرباعية الدولية وخارطة طريق الاتحاد الأفريقي وقرارات مجلس الأمن، وتؤكد بوضوح أنه “لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع”، داعية إلى هدنة إنسانية فورية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، ثم عملية انتقال مدني شاملة وشفافة. ويعكس هذا الطرح رغبة المجتمع الدولي في إعادة توجيه مسار الحرب نحو تسوية سياسية، بعد ثلاث سنوات من القتال الذي دمّر البنية التحتية، وشرّد الملايين، وأدخل البلاد في حالة انهيار اقتصادي واجتماعي.
ويشير البيان الختامي إلى أن السلام المستدام يتطلب احترام تطلعات الشعب السوداني، وأن يكون شكل الحكم المستقبلي نتاج عملية سياسية “سودانية‑سودانية”، تشمل جميع الأصوات داخل البلاد وخارجها. ويؤكد المشاركون التزامهم بسيادة السودان ووحدة أراضيه، مع الحفاظ على مؤسسات الدولة، في محاولة لتجنب سيناريوهات الانهيار الكامل التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.
وتبرز في الوثيقة أهمية مشاركة المرأة بصورة كاملة ومتساوية في العملية السياسية وعمليات السلام، وهو تأكيد يعكس إدراكًا متزايدًا بأن النساء يتحملن العبء الأكبر من تبعات الحرب، سواء عبر النزوح أو فقدان مصادر الدخل أو التعرض للعنف الجنسي. ويأتي هذا التأكيد في سياق دولي أوسع يدعو إلى إدماج النساء في عمليات صنع القرار باعتبار ذلك عنصرًا أساسيًا لتحقيق سلام مستدام.
وتشدد المبادئ على ضرورة وقف أي دعم خارجي مباشر أو غير مباشر يسهم في استمرار النزاع، سواء كان ماليًا أو لوجستيًا أو عسكريًا، في إشارة واضحة إلى الدور الذي تلعبه التدخلات الإقليمية في تغذية الحرب. كما تدعو إلى ضمان وصول إنساني سريع وآمن وغير مقيد، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، في ظل تقارير متزايدة عن استهداف منشآت حيوية وتعرض النساء والفتيات لخطر العنف الجنسي.
ويؤكد المشاركون التزامهم بمعالجة فجوة التمويل الإنساني، ودعم المستجيبين المحليين وغرف الطوارئ، في وقت يعاني فيه السودان من نقص حاد في التمويل، رغم أن عدد المحتاجين للمساعدة تجاوز 25 مليون شخص. ويشدد البيان على ضرورة التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، باعتبار أن المساءلة عنصر أساسي لتحقيق المصالحة.
ويقول مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا والعالم العربي، إن المبادئ تمثل “تحالفًا واسعًا يدعو إلى إنهاء القتال فورًا”، مشيرًا إلى أنها تعكس “توافقًا دوليًا غير مسبوق” حول ضرورة وقف الحرب. ويعكس هذا التصريح حجم القلق الدولي من استمرار النزاع، خاصة مع تزايد التقارير عن انتهاكات واسعة، وانهيار الخدمات الأساسية، وتوسع رقعة الجوع.
وشارك في الاجتماع الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلى جانب دول إقليمية مثل مصر وإثيوبيا وكينيا وجنوب السودان وتشاد والإمارات وقطر والسعودية وتركيا وأوغندا وسويسرا والنرويج وجيبوتي، إضافة إلى الأمم المتحدة وإيغاد وجامعة الدول العربية. ويعكس هذا الحضور الواسع إدراكًا بأن الحرب في السودان لم تعد شأنًا داخليًا، بل أزمة إقليمية ذات تداعيات عابرة للحدود.
وتشير المبادئ إلى أن إدارة المرحلة المقبلة يجب أن تكون بقيادة مدنية، وأن تحديد شكل الحكم يعود إلى السودانيين عبر عملية سياسية شفافة. ويأتي هذا الطرح في وقت تتصاعد فيه الانتقادات للحكومة الموالية للجيش، التي تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية بسبب غياب مسار سياسي واضح، واستمرار القتال في مناطق واسعة من البلاد.
وتشدد الوثيقة على ضرورة إنشاء آليات مراقبة وتحقق لوقف إطلاق النار بدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين، في محاولة لتجنب انهيار الاتفاقات كما حدث في مبادرات سابقة. كما تدعو إلى دعم الدول المجاورة التي تستضيف لاجئين سودانيين، في ظل تزايد الأعباء على دول مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا.
وفي ختام المبادئ، يؤكد المشاركون ضرورة دعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار بقيادة سودانية، بهدف استعادة الخدمات الأساسية وإعادة بناء البنية التحتية وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين بشكل آمن وطوعي. ويعكس هذا الطرح إدراكًا بأن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستمرار دون معالجة الانهيار الاقتصادي الذي يفاقم معاناة السودانيين.
وفي بلد يعيش واحدة من أعقد الحروب في تاريخه الحديث، تبدو مبادئ برلين محاولة لإعادة رسم مسار سياسي جديد، لكنها تظل رهينة قدرة الأطراف السودانية على الالتزام بها، وقدرة المجتمع الدولي على تحويل هذه المبادئ من وثيقة سياسية إلى واقع ملموس يوقف نزيف الحرب ويعيد للسودانيين حقهم في حياة آمنة وكريمة.
ملخص بنود مبادئ برلين الـ12 حول السودان
هدنة إنسانية فورية تمهّد لوقف دائم لإطلاق النار.
التأكيد على عدم وجود حل عسكري للنزاع في السودان.
عملية انتقال مدني شاملة وشفافة يقودها السودانيون أنفسهم تحديد شكل الحكم في السودان يعود إلى المواطنين عبر عملية سياسية داخلية تقوم على الشفافية والمشاركة الواسعة تنتهى بحكومة مدنية المسار المطلوب ينبغي أن يتيح حواراً سودانياً شاملاً يمثل مختلف الفئات داخل البلاد وخارجها، بما يضمن مشاركة جميع المكونات في صياغة مستقبل الحكم.
الحفاظ على سيادة السودان ووحدة أراضيه ودعم مؤسسات الدولة.
إنشاء آليات مراقبة وتحقق لوقف إطلاق النار بدعم دولي وإقليمي.
ضمان وصول إنساني سريع وآمن وغير مقيد عبر الخطوط الأمامية والحدود.
حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية ومنع الهجمات على المنشآت الحيوية.
مشاركة كاملة ومتساوية للمرأة في العملية السياسية وعمليات السلام.
وقف أي دعم خارجي مباشر أو غير مباشر يسهم في استمرار الحرب، سواء كان ماليًا أو لوجستيًا أو عسكريًا.
معالجة فجوة التمويل الإنساني ودعم المستجيبين المحليين وغرف الطوارئ.
المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ودعم العدالة الانتقالية.
دعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار بقيادة سودانية لضمان استعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين طوعًا وبأمان.
