أحمد عثمان جبريل: ستة أشهر فقط .. السودان أمام امتحان التاريخ
أحمد عثمان جبريل
من بين كل ما ورد في البيان الدولي الاخير بشأن السودان، لم يكن الحديث عن الحوار هو العنصر الأكثر إثارة للانتباه، فالسودانيون سمعوا كثيراً عن الحوارات والمبادرات والموائد المستديرة.. الجديد هذه المرة أن العالم وضع ساعة على الطاولة، وحدد زمناً للحوار، وأشار بوضوح إلى الوجهة التي ينبغي أن يصل إليها.. وهنا تكمن أهمية المسألة كلها.. فحين يصبح الزمن جزءاً من الحل، تتحول السياسة من ترف الجدل إلى ضرورة القرار.
❝إن الأفكار لا تنتصر لأنها صحيحة، بل لأنها تجد رجالاً يؤمنون بها. ❞
— مالك بن نبي
(1)
للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، لا يتحدث المجتمع الدولي عن إدارة الأزمة بقدر ما يتحدث عن إنهائها.. فالبيان المشترك لم ينشغل بتوصيف الكارثة السودانية أو تعداد خسائرها، بل ركز على ما بعدها؛ على الحوار، وعلى الانتقال السياسي، وعلى الحكومة المدنية المستقلة.. وهذا التحول في اللغة السياسية يكشف أن العالم بدأ يفكر في السودان القادم أكثر من السودان الغارق في الحرب، وهذا ما يجب أن ينتبه له السودانيين.
(2)
أما الرقم الأكثر أهمية في البيان فهو (ستة أشهر) .. ليس لأنه كافٍ لحل الأزمة السودانية بكل تعقيداتها، بل لأنه يعبر عن قناعة دولية متزايدة بأن إطالة العملية السياسية أصبحت جزءاً من المشكلة نفسها.. لقد جرب السودانيون حوارات مفتوحة بلا نهاية، ومفاوضات طويلة بلا نتائج، وتسويات مؤقتة سرعان ما انهارت. لذلك جاء تحديد المدة بمثابة رسالة تقول إن الوقت لم يعد متاحاً لإعادة إنتاج الفشل القديم.
(3)
ما يجعل هذه المهلة قابلة للتحقق نسبياً أن هناك قضية باتت شبه محسومة في الوجدان الشعبي السوداني وفي المزاج الدولي معاً، وهي رفض العودة إلى المعادلات التي حكمت السودان قبل الثورة.. فقد أصبح واضحاً أن قطاعاً واسعاً من السودانيين يتمسك بإبعاد المؤتمر الوطني عن ترتيبات المرحلة المقبلة، كما أن البيئة الدولية لا تبدو متحمسة لإعادة إنتاج التجربة التي قادت البلاد إلى هذا المأزق التاريخي.
(4)
غير أن العقدة الحقيقية لا تكمن هنا، بل في موقع السلطة القائمة نفسها من هذا المسار.. فكل الطرق المؤدية إلى الانتقال السياسي تمر عبر المؤسسة العسكرية بحكم الأمر الواقع.. وهنا يبرز السؤال الذي يطارد المشهد كله: “هل سيتعامل البرهان مع هذه المبادرة باعتبارها فرصة لإنقاذ الدولة وإنهاء الحرب، أم باعتبارها مشروعاً قد ينتقص من نفوذ السلطة القائمة؟”.. و الإجابة عن هذا السؤال ربما تحدد مصير الأشهر الستة بأكملها.
(5)
لكن من الخطأ الاعتقاد أن المسؤولية تقع على عاتق المؤسسة العسكرية وحدها.. فالقوى المدنية مطالبة هي الأخرى بإثبات أنها تعلمت شيئاً من دروس السنوات الماضية.. لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً للانقسامات والتنافس والصراعات الصغيرة، ولم يعد مقبولاً أن تتحول معركة إنقاذ الوطن إلى منافسة جديدة حول المواقع والمقاعد والألقاب.
(6)
في الحقيقة، لا أحد يتوقع أن تنتهي كل أزمات السودان خلال ستة أشهر.. لا الحرب ستختفي بالكامل، ولا آثارها ستزول بهذه السرعة، ولا الخراب الاقتصادي والاجتماعي سيجد طريقه إلى المعالجة بين ليلة وضحاها.. لكن ما يمكن إنجازه خلال هذه الفترة هو الاتفاق على الطريق، ووضع الأساس الذي يمنع السودان من العودة إلى نقطة الصفر كلما اقترب من الحل.
(7)
ولهذا تبدو الأشهر الستة المقبلة أشبه بامتحان تاريخي مفتوح أمام الجميع.. امتحان للسلطة القائمة، وامتحان للقوى المدنية، وامتحان للنخب السياسية، بل وللضمير الوطني نفسه. فالعالم الذي اجتمع اليوم حول السودان لن ينتظر إلى الأبد، والفرص التي تضيع في لحظات التحول الكبرى نادراً ما تعود بالصورة نفسها.. وما لم يدرك الجميع أن الوطن أصبح أكبر من الحسابات الضيقة، فقد تتحول هذه المهلة إلى فصل جديد من فصول الخيبة السودانية الطويلة.
الحقيقة التي ربما لا يريد كثيرون سماعها هي أن السودان لا يعاني اليوم من نقص المبادرات، ولا من غياب الحلول، ولا حتى من قلة الوسطاء.. ما يعانيه السودان هو الفجوة بين معرفة الطريق والقدرة على السير فيه..
ولهذا فإن قيمة الأشهر الستة لا تكمن في عدد أيامها، بل في معناها السياسي والأخلاقي.. إنها مهلة منحها التاريخ للسودانيين قبل أن يمنح حكمه النهائي على هذه المرحلة.. فإن أحسنوا استثمارها، ربما كانت بداية الخروج من أطول ليل عرفته البلاد.. وإن أضاعوها، فلن يقال إن السودان لم يجد من يمد له اليد، بل سيقال إن الفرصة جاءت كاملة، لكن أهلها لم يكونوا مستعدين لالتقاطها.. إنا لله ياخ..الله غالب.
