مجاهد بشري: مفاجأة قانون السلام الامريكي يجرد سلطة بورتسودان من شرعيتها المزعومة .. الابعاد و التداعيات!!

1
peace

مجاهد بشري

منذ اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023 انصب اهتمام معظم المتابعين على المعارك العسكرية، وتوازنات القوة الميدانية، والعقوبات التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي على قادة الأطراف المتحاربة, غير أن القراءة المتأنية للتعديل الجديد لمشروع قانون “الانخراط الأمريكي في السلام السوداني” (U.S. Engagement in Sudanese Peace Act) تكشف أن أخطر ما يتضمنه المشروع لا يتعلق بالعقوبات المالية أو حظر التأشيرات أو حتى بمراجعة ملفات الإرهاب، وإنما يتعلق بمسألة أكثر جوهرية وحساسية، وهي مسألة الشرعية الدولية والتمثيل الرسمي لجمهورية السودان داخل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

ففي حين يمكن لأي سلطة أمر واقع أن تتعايش مع العقوبات لفترة طويلة، فإن فقدان الشرعية الدولية أو التشكيك فيها يمثل تهديداً وجودياً لأي سلطة تسعى إلى تثبيت نفسها باعتبارها الحكومة المعترف بها للدولة.

وهنا تبرز أهمية المادة 203 من مشروع القانون، والتي تطلب من وزير الخارجية الأمريكي، بالتنسيق مع المندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، اتخاذ خطوات فورية مع لجنة وثائق التفويض التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل تفعيل القاعدة 29 من النظام الداخلي للجمعية العامة، بهدف نزع الشرعية عن التمثيل السوداني الحالي في المؤسسات الدولية إلى حين انتقال السودان إلى حكومة مدنية أو حكومة منتخبة ديمقراطياً.

هذه الصياغة لا تُعد مجرد موقف سياسي عابر أو بيان دبلوماسي تقليدي، بل محاولة لاستخدام أحد أكثر الأسلحة القانونية والدبلوماسية تأثيراً في النظام الدولي الحديث، وهو سلاح الاعتراف والتمثيل.

ولفهم خطورة هذا الأمر يجب أولاً إدراك أن الأمم المتحدة لا تمنح الدول شرعيتها، لكنها تحدد من يمثل تلك الدول داخل المنظومة الدولية، وفي الحالات التي تنشأ فيها نزاعات حول السلطة داخل دولة ما، يصبح السؤال المطروح ليس من يسيطر على الأرض فقط، بل من يملك الحق القانوني والسياسي في التحدث باسم الدولة أمام المجتمع الدولي.

ولهذا السبب أنشئت لجنة وثائق التفويض التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي الجهة التي تنظر في النزاعات المتعلقة بشرعية الوفود الحكومية وتمثيل الدول الأعضاء.

التاريخ الدولي يقدم العديد من السوابق المهمة في هذا المجال، فقد شهد العالم نزاعات مشابهة في أفغانستان بعد عودة طالبان إلى السلطة، وفي ميانمار بعد الانقلاب العسكري، وفي كمبوديا خلال الحرب الباردة، وفي ليبيا بعد سقوط نظام القذافي، وفي كل تلك الحالات لم يكن الصراع مقتصراً على السيطرة الداخلية، بل امتد إلى معركة موازية تتعلق بمن يملك المقعد الدبلوماسي في الأمم المتحدة.

وهذا تحديداً ما يجعل النص الأمريكي الجديد بالغ الأهمية بالنسبة للسودان، فالسلطات القائمة في بورتسودان تعتمد بصورة كبيرة على الاعتراف الدولي باعتبارزعمها بأنها الحكومة الشرعية للدولة السودانية، هذا الاعتراف لا يمنحها فقط مكانة سياسية، بل يتيح لها الاحتفاظ بالسفارات، وتمثيل السودان في المنظمات الدولية، والتوقيع على الاتفاقيات، والتعامل مع المؤسسات المالية العالمية، والمشاركة في المؤتمرات الدولية بوصفها الممثل الرسمي للدولة، لذلك فإن مجرد فتح نقاش دولي حول شرعية هذا التمثيل يمثل تطوراً استراتيجياً بالغ الخطورة.

ومن الناحية القانونية فإن مشروع القانون لا يقرر بشكل مباشر سحب الاعتراف أو طرد السودان من الأمم المتحدة، إذ إن الولايات المتحدة لا تملك وحدها سلطة اتخاذ مثل هذا القرار، لكن المشروع يلزم الإدارة الأمريكية باستخدام نفوذها الدبلوماسي من أجل الدفع في هذا الاتجاه، وفتح الملف داخل المؤسسات الأممية المختصة، خاصة مع تجميد الاتحاد الافريقي لعضوية السودان داخل المنظمة الافريقية، وهنا تظهر نقطة مهمة كثيراً ما يغفلها المتابعون، فالقانون لا يقول إن السودان سيفقد مقعده في الأمم المتحدة، بل يقول إن الولايات المتحدة مطالبة بالسعي إلى التشكيك في شرعية التمثيل الحالي والعمل على إعادة النظر فيه إلى حين تحقق انتقال مدني أو ديمقراطي.

ورغم أن هذا قد يبدو للبعض فرقاً شكلياً، إلا أن الخبراء في القانون الدولي يدركون أن مجرد طرح هذه المسألة داخل أروقة الأمم المتحدة يمكن أن يخلق ضغوطاً سياسية هائلة على أي سلطة قائمة، فالشرعية الدولية ليست حالة ثنائية بسيطة بين الاعتراف وعدم الاعتراف، وإنما هي طيف واسع من مستويات القبول الدولي، وقد أثبتت تجارب عديدة أن مجرد التشكيك في شرعية حكومة ما يؤدي إلى إضعاف قدرتها على التحرك الدبلوماسي، وإضعاف موقفها التفاوضي، وتقليل قدرتها على جذب الاستثمارات والتمويل الدولي، حتى لو احتفظت رسمياً بمقعدها في الأمم المتحدة،الأمر الأكثر أهمية هو أن هذا البند لا يأتي منفرداً، فعند قراءة المشروع كاملاً يتضح وجود منظومة متكاملة من الأدوات القانونية والضغوط السياسية التي تتفاعل مع بعضها البعض.

لأن القانون يطلب خلال تسعين يوماً إجراء مراجعة شاملة لتحديد ما إذا كان أي من أطراف الحرب السودانية يستوفي معايير الإدراج ضمن قائمة الكيانات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص (SDGT)، كما يطلب إعداد تقارير دورية حول جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وعرقلة المساعدات الإنسانية.

وبالتالي فإن مشروع القانون لا ينظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها مجرد حرب أهلية، بل يعيد صياغتها قانونياً باعتبارها ملفاً يتضمن انتهاكات إنسانية جسيمة، وجرائم دولية محتملة، وقضايا إرهاب محتملة، ومشكلة شرعية سياسية في آن واحد، وهو ما يتوفر في معسكر سلطة بورتسودان.

ومن منظور دبلوماسي بحت، فالرسالة الأمريكية الأساسية تبدو واضحة، مفادها أن واشنطن لا تريد منح أي طرف متحارب إمكانية تحويل السيطرة العسكرية إلى شرعية سياسية دائمة، كما أنها تسعى إلى ربط الاعتراف الدولي بمسار الانتقال المدني والديمقراطي.

وهذا يعني أن أي سلطة تسعى إلى تثبيت نفسها من خلال الحسم العسكري وحده قد تجد نفسها أمام معضلة متزايدة تتمثل في الحصول على السيطرة الداخلية دون الحصول على الشرعية الخارجية الكاملة، وتزداد أهمية هذه النقطة إذا أخذنا في الاعتبار أن الحروب الحديثة لا تحسم فقط في ساحات القتال.

فالشرعية أصبحت مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن السلاح، بل إن كثيراً من الحكومات في العالم تمكنت من البقاء بسبب اعتراف المجتمع الدولي بها رغم ضعفها العسكري، بينما فشلت سلطات أخرى في ترسيخ حكمها رغم امتلاكها السيطرة الميدانية بسبب افتقارها إلى الاعتراف السياسي الدولي، ومن هنا يمكن فهم لماذا ينظر العديد من المراقبين إلى المادة المتعلقة بلجنة وثائق التفويض باعتبارها أخطر مادة في المشروع بأكمله، فهي لا تستهدف أفراداً بعينهم، ولا تستهدف حسابات مصرفية محددة، ولا تستهدف شركات أو كيانات اقتصادية، بل تستهدف الأساس الذي تقوم عليه شرعية التمثيل السياسي للدولة السودانية في النظام الدولي.

وفي حال تحولت هذه الرؤية إلى سياسة أمريكية نشطة داخل الأمم المتحدة، فإنها قد تفتح مرحلة جديدة من الصراع الدبلوماسي حول من يمثل السودان ومن يملك حق التحدث باسمه أمام العالم.

ولهذا السبب فإن القراءة القانونية الدقيقة للمشروع تقود إلى استنتاج واضح، وهو أن معركة السودان لم تعد فقط معركة على الأرض، وإنما أصبحت أيضاً معركة على الشرعية الدولية على كل مستوياتها، فبينما تتناول العقوبات سلوك الأفراد والكيانات، فإن بند وثائق التفويض يتناول

What do you feel about this?