د. مبروك مبارك سليم: منارة العبقرية العبسية وسفير البادية إلى الحاضرة

4
mubrok

بقلم/ الأديب والمؤرخ: سيد الرشيدي

ثمة رجالٌ لا يمرون على تاريخ أمتهم مرور العابرين، بل ينحتون في صخر الأيام مجداً تسترشد به الأجيال من بعدهم. ومن هؤلاء الفرسان الذين جمعوا بين سيف الكلمة ودبلوماسية الموقف، وفراسة الصحراء وحكمة المدرجات الجامعية، يبرز اسم الأستاذ الدكتور مبروك مبارك سليم؛ ذلك العقل الموسوعي والرمز القبلي والسياسي الذي قاد سفينة قبيلة “الرشايدة” (طنايا عبس) من فضاءات البداوة الرحبة إلى آفاق الحاضرة المؤثرة، دون أن يفقد الميزان أياً من كفتيه: أصالة الموروث، ومعاصرة العلم.

هندسة التحول: من خيام البادية إلى منارات العلم

لم يكن الدكتور مبروك مجرد مثقفٍ نال من العلم حظاً، بل كان صاحب مشروعٍ تنويري وقبلي متكامل. أدرك مبكراً أن السلاح الحقيقي لحفظ كيان القبيلة واستمرار دورها الريادي في العصر الحديث هو “التعليم”. فبذل جهوداً مضنية لنقل أبناء القبيلة من حياة الارتحال البسيط إلى الاستقرار المعرفي، مشجعاً على ارتياد المدارس والجامعات، ومؤمناً بأن “رجل القبيلة المتعلم” هو الدرع الحقيقي لها في مواجهات العصر ومستجداته.

ولم يقف عند حد الدعوة والتنظير، بل قدم النموذج والقدوة بنفسه؛ فحين اتجه إلى القبلة العلمية العريقة، ونال درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من جامعة الفاتح بطرابلس عام 1992م، لم يتردد في أن يجعل من “الرشايدة” مادتها الخصبة. فكانت أطروحته الرائدة حول “الأيكولوجيا لدى الرشايدة في شرق السودان”، وثيقةً علمية وأنثروبولوجية غير مسبوقة، فكك فيها بعبقرية الباحث وعاطفة ابن القبيلة آليات التكيف البيئي والاجتماعي لإنسان البادية، واضعاً الرشايدة على خارطة الدراسات الأكاديمية الدولية.

مؤرخ “طنايا عبس” وموثق الهجرة الكبرى

تكمن القيمة التاريخية الكبرى للدكتور مبروك مبارك سليم في أنه كسر حاجز التواتر الشفهي لتاريخ القبيلة، وانتقل به إلى مرحلة التدوين والتوثيق العلمي المستقل. فجاء كتابه العمدة “الرشايدة طنايا عبس بين اليوم والأمس” ليكون أول مصنف تاريخي مستقل يستقصي الجذور، ويتتبع مسارات الهجرة الكبرى للقبيلة من بلاد الحجاز ونجد إلى شرق السودان ومصر في مطلع القرن التاسع عشر للميلاد.

إن هذا العمل لم يكن مجرد سردٍ لأنساب أو وقائع، بل كان إعادة اعتبار لتاريخٍ حافل بالصبر والكفاح وبناء الهوية. وإن قيامي اليوم على تحقيق هذا الكتاب وتجهيزه ليطبع ويرى النور هو بحق امتدادٌ شرعي وفكري لهذا العطاء، وبرٌّ علمي يستحقه هذا التاريخ، ليكون الكتاب مرجعاً حياً ونابضاً بين أيدي الباحثين والأجيال القادمة.

صوت القبيلة في المحافل الدولية والإقليمية

على الصعيد السياسي والدبلوماسي، كان الدكتور مبروك السفير الذي نقل صوت القبيلة وهمومها إلى أروقة الحكم وصناعة القرار. فمن خلال تقلده المناصب السياسية والبرلمانية الرفيعة، وخدمته كوزير في الحكومة السودانية، لم يمثل الرشايدة فحسب، بل صار صوتاً مسموعاً ومحترماً في القارة الأفريقية بأسرها، وفي المملكة العربية السعودية، ودول الخليج العربي.

لقد استطاع برؤيته الثاقبة أن يربط الجسور بين امتدادات القبيلة في مهجرها الإفريقي وجذورها الراسخة في شبه الجزيرة العربية، وتوج هذا الفكر القومي والتاريخي بجهوده الملموسة في تأسيس “رابطة عبس العالمية”، ليكون الكيان الجامع الذي يربط أواصر القربى ويحيي قيم المروءة والتكافل العبسي على مستوى العالم.

إسهامات اقتصادية ودعم لا يتوقف للبحث العلمي

إلى جانب السياسة والتاريخ، كانت بصمات الدكتور مبروك الاقتصادية على أرض الواقع شواهد لا ينكرها إلا جاحد؛ حيث سعى دوماً لتمكين أبناء القبيلة اقتصادياً، وفتح مجالات التنمية المستدامة التي تضمن لهم العيش الكريم والاستقرار في الحاضرة.

أما على الصعيد الإنساني والمعرفي، فيظل الدكتور مبروك ذلك الرمز المعطاء الذي لا يتوقف عن دعم الباحثين والمؤرخين الشباب. يفتح لهم خزائن علمه وتجاربه، ويشد على أيديهم بالدعم المعنوي والفكري، مؤمناً بأن المعرفة نهر متجدد يجب ألا ينقطع جريانه.

إن الدكتور مبروك مبارك سليم عقلية تاريخية فذة، وموسوعة متحركة، ورجل دولة من طراز رفيع. وإننا إذ نرقب خروج مؤلفه المحقق إلى النور، فإننا لا نحتفي بكتابٍ فحسب، بل نحتفي بسيرة ومسيرة رجلٍ وهب عمره لتبقى راية “طنايا عبس” خفاقة بالعلم، راسخة بالتاريخ، ومؤثرة في الحاضر والمستقبل

What do you feel about this?