السودان تحت خطر عقيدة التمكين وتفكيك دولة المؤسسات لصالح دولة الميليشيات
تقرير: وكالات – بلو نيوز
يمثل إعلان ما يُعرف بـ “قوات درع السودان” بقيادة أبوعاقلة كيكل عن تخريج دفعة جديدة من “الشرطة العسكرية” دلالة سياسية وعسكرية بالغة الأهمية تتجاوز البعد الإعلاني الآني؛ إذ يقدم هذا التطور مؤشراً بنيوياً على عمق الأزمة الهيكلية التي تواجهها الدولة السودانية في الوقت الراهن.
ويعكس هذا الحدث تآكل المبدأ السيادي المستقر في العلوم السياسية والمتمثل في “احتكار الدولة لوسائل العنف المشروع”، مفسحاً المجال أمام ظاهرة تعدد الجيوش وتمدد الميليشيات المناطقية التي تحظى إما برعاية وإسناد مباشر من النخب الأيديولوجية الحاكمة، أو بتواطؤ وصمت ضمني من السلطة غير الشرعية القائمة.
وتكمن الخطورة التحليلية لهذا الواقع في مأسسة العمل المسلح خارج الأطر القانونية؛ إذ إن المشهد انتقل بالكامل وبخطي متسارعة إلى مرحلة بناء هياكل عسكرية موازية تمتلك منظومات تدريب، ورتباً عسكرية، وأجهزة ضبط داخلي، تعمل كلياً بمعزل عن المؤسسة الرسمية للجيش السوداني.
معضلة السيادة
ينطوي القبول الرسمي والضمني بهذه التشكيلات الموازية على تحول حرج في مسار المؤسسة العسكرية السودانية، وهي التي يتجاوز تاريخها التأسيسي مئة عام (عندما أنشأت الإدارة البريطانية قوة دفاع السودان عام 1925 بعد حلّ الكتائب السودانية التابعة للجيش المصري-البريطاني)؛ فوفقاً للأطر النظرية المستقرة في علم الاجتماع السياسي حول نشوء الدولة الحديثة، يُعد الاحتكار المطلق لوسائل العنف الشرعي، وإخضاعه لقيادة قانونية ومؤسسية موحدة، الركيزة الأساسية لحفظ كيان الدولة وسلطتها السيادية.
ومع ذلك، تكشف المعطيات الراهنة عن تراجع هذا الاحتكار المؤسسي بالكامل لصالح نمط من التعددية القطبية المسلحة، إذ برزت فواعل عسكرية من غير الدول تقاسم المؤسسة الرسمية وظائفها وسيادتها على الأرض.
ويظهر هذا التآكل جلياً في تمدد تنظيمات متباينة الأيديولوجيات والمصالح، مثل “قوات درع السودان”، و”كتائب البراء بن مالك”، والفصائل المسلحة لإقليم دارفور، بالإضافة إلى شبكات الميليشيات القبلية والمناطقية.
إن هذا التشظي الحاد والخطير في بنية القوة المسلحة في السودان يسهم في انزلاق السودان حتماً نحو نماذج التفكك الهيكلي، متقاطعاً مع أطروحات “الدول الفاشلة” التي تجسدها الحالة الصومالية في حقبة أمراء الحرب، أو المشهد الليبي في مرحلة ما بعد عام 2011، حيث تحل سلطة البنادق اللامركزية والولاءات الفرعية محل السلطة السيادية المركزية.
اقتصاديات العنف
يثير امتناع هذه المجموعات الموازية عن الانخراط في مسارات الاندماج الكامل داخل صفوف القوات المسلحة الرسمية تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة المحفزات الهيكلية التي تحكم خيارات الحركات المسلحة؛ إذ إن تفعيل آليات الاستيعاب المؤسسي عبر منح الأفراد أرقاماً عسكرية رسمية وإخضاعهم لقانون القوات المسلحة وهياكل القيادة والسيطرة الموحدة يصطدم بتباين حاد في منظومة الامتيازات والعوائد بين القطاعين النظامي والموازي.
ومن منظور تحليل اقتصاديات الحرب، توفر البنية الميليشياوية مزايا نسبية وعوائد مادية تفوق بمراحل ما تقدمه الأطر البيروقراطية للجيوش النظامية.
فبينما يواجه الجندي النظامي قيوداً انضباطية صارمة وسقوف أجور محدودة محكومة بعدد سنوات الخدمة العسكرية والتأهيل العسكري والتدريب وحضور الدورات التدريبية واجتيازها وفقاً لتخصصات تحتاجها المؤسسة، وخاضعة للقدرة المالية والميزانيات المرصودة والرقابة الصارمة (المفترضة) من الجهات الرقابية للمؤسسة الرسمية، يحظى منتسبو التشكيلات الموازية بتدفقات مالية مرنة بل ومفتوحة، ونفوذ محلي مباشر وكبير على الأرض والموارد.
تتحرك هذه المجموعات في إطار من “شخصنة الولاء” للقائد الفرد عوضاً عن العقيدة المؤسسية، مما يمنحها هوامش حركة واسعة تشمل السيطرة الميدانية والتمتع بحصانات ضمنية غير مكتوبة تحمي أفرادها من المساءلة القانونية الرادعة.
وتجعل هذه العوامل المشتركة من العمل المسلح الموازي خياراً عقلانياً قائماً على حسابات الربح والخسارة البحتة في سوق العنف الناشئ، حيث يتفوق العائد النفعي للميليشيا على الامتيازات المحدودة للخدمة العسكرية التقليدية.
قرارات رخيصة
وتزداد هذه المفارقة البنيوية وضوحاً عند استحضار القرارات الرسمية الصادرة عن القيادة العسكرية نفسها بشأن إنهاء ظاهرة التشكيلات الموازية. ففي 17 أغسطس 2025، أصدر القائد العام للجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قراراً يقضي بإخضاع جميع القوات المساندة العاملة مع الجيش لأحكام قانون القوات المسلحة لسنة 2007 ووضعها تحت إمرة قادة القوات المسلحة بمختلف المناطق، في خطوة استهدفت نظرياً إحكام القيادة والسيطرة وفرض الاحتكار المؤسسي للسلاح أو كما قيل !!. ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ إذ جددت القيادة العسكرية هذا التوجه لاحقاً عبر تصريحات وقرارات صادرة عن رئيس هيئة الأركان الفريق أول ركن ياسر العطا، الذي أكد أن المرحلة المقبلة ستشهد دمج جميع القوات المساندة داخل القوات المسلحة والأجهزة النظامية الأخرى دون استثناء.
غير أن مجريات الواقع الميداني أفرغت هذه القرارات من مضمونها بالكامل، فتحولت عملياً إلى حبر على ورق؛ إذ لم يحدث أي دمج مؤسسي، بل على العكس تماما إذ اتجهت هذه التشكيلات نحو مزيد من الاستقلالية التنظيمية والتسليحية، بل وتوسعت في بناء هياكل شبه سيادية خاصة بها، تشمل منظومات تدريب، وسلاسل قيادة مستقلة، وأجهزة ضبط وتأديب داخلي مثل الشرطة العسكرية.
ميليشيات عقائدية
تتجاوز دوافع الإبقاء على هذه الكيانات الموازية وتغذيتها الأبعاد الاقتصادية الصرفة، لتتصل مباشرة باستراتيجيات “أمن النظام” (Regime Security) القائمة على محددات سياسية وأيديولوجية.
وتنزع الأنظمة ذات الطابع العقائدي، وفقاً للأدبيات السياسية، نحو تبني نمط من “عدم الثقة المؤسسي” تجاه الجيوش النظامية التقليدية، نظراً لما قد تتمتع به الأخيرة من درجات الاستقلالية البيروقراطية أو الالتزام العقائدي بمفهوم الأمن القومي الشامل، والذي قد لا يتطابق بالضرورة مع أولويات البقاء السياسي للنخبة الحاكمة؛ ومن ثمَّ، تلجأ هذه الأنظمة إلى هندسة وبناء قوى عسكرية وشبه عسكرية موازية تخضع لعمليات تعبئة أيديولوجية مكثفة، وتتدين بولاء مباشر وشخصي للنظام وتكويناته التنظيمية، لتشكل خط الدفاع الأخيرعن السلطة المركزية ضد أي تهديد مركزي أو مناطقي.
ويقترن هذا السلوك مع نماذج تاريخية وإقليمية مكرّسة في دراسات النظم المقارنة، مثل تجربة “الحرس الثوري” وقوات “الباسيج” في إيران، أو تنظيمات “الشبيحة” في السياق السوري، فضلاً عن التجربة السودانية المحلية التي تجسدت تاريخياً في “قوات الدفاع الشعبي” وتشكيلات “المراحيل” في عقود سابقة.
وتستند هذه الهندسة الأمنية المتعددة إلى فرضية تفعيل آلية “الموازنة المضادة” (Counterbalancing)؛ ففي حال ظهور أي مؤشرات على تراجع وضعف المؤسسة العسكرية الرسمية عن حماية الخيارات السياسية للنخبة الحاكمة، أو انحيازها للتحولات الوطنية الشاملة، تتدخل هذه التشكيلات العقائدية كفواعل ضبط حاسمة لحفظ التوازن السلطوي وإجهاض مهددات النظام، حتى وإن أدت هذه السياسة الموازية إلى إنتاج تشققات رأسية وتعميق مظاهر التشظي في بنية الدولة الوطنية.
تفكيك خريطة الولاءات
تخضع الجغرافيا العسكرية في السودان لحالة حادة من الاستقطاب السياسي والميداني، حيث تتباين مواقف الفواعل المسلحة من غير الدول بين الانخراط الكامل تحت مظلة سلطة الأمر الواقع في بورتسودان (المسيطرة على المؤسسة العسكرية الرسمية)، أو الاصطفاف مع القوى المناهضة لها، أو التمسك بحدود الحياد المسلح لحماية معاقلها الجغرافية.
وتتبدى هذه الانقسامات بوضوح عند تحليل طبيعة محاور التحالفات السائدة، حيث يتشكل المشهد من تكتلات متباينة الولاءات والغايات الميدانية.
ويتألف المحور الأول من القوى الموالية عسكرياً لسلطة بورتسودان والمنخرطة في إسناد العمليات
نقلا عن صحيح السودان
