مجاهد بشرى: لا تقرأ هذا التقرير !!
مجاهد بشرى
شهد قطاع المعادن الثمينة في جمهورية مصر العربية تحولاً هيكلياً متسارعاً منذ أواخر عام 2023م وحتى منتصف عام 2026م، تمثّل في طفرة تصديرية غير مسبوقة للذهب الخام والمشغولات الذهبية.
ويتزامن هذا الصعود القياسي مع النزاع المسلح المستمر في جمهورية السودان المجاورة، ما أعاد رسم خريطة إنتاج وتصدير الذهب في منطقة شرق أفريقيا وحوض النيل، وفحص المؤشرات الاقتصادية المتقاطعة والقرارات التنظيمية يرجح فرضية وجود ترابط جيو-اقتصادي وثيق وممنهج بين نمو الصادرات المصرية والتدفقات غير الرسمية للذهب السوداني، مستفيدة من التسهيلات التشريعية والشبكات القبلية النشطة على الحدود المشتركة، والتحركات الميدانية لضبط مناطق التعدين الحدودية.
القفزة الهيكلية في صادرات الذهب المصرية منذ أواخر 2023م
سجلت صادرات مصر من الذهب والمعادن الثمينة والأحجار الكريمة (الرمز الجمركي HS Code 71) قفزة استثنائية، لتصل إلى 7.6 مليار دولار أمريكي خلال عام 2025م، مقارنة بنحو 3.2 مليار دولار في عام 2024م، محققة زيادة قياسية بلغت حوالي 137.5%1.
وتعد هذه الطفرة امتداداً لمسار صعودي بدأ في نهاية عام 2023م، حيث سجلت الصادرات حينها 1.8 مليار دولار، وتجلى هذا النمو المتسارع بوضوح في الربع الأول من عام 2025م، إذ تجاوزت قيمة الصادرات في شهري يناير وفبراير وحدهما حاجز ملياري دولار، وهو ما يعادل تقريباً إجمالي صادرات تسعة أشهر من عام 2024م.
وتشير البيانات المفصلة إلى أن قطاع الذهب والمعادن الثمينة أصبح المساهم الأول في نمو الصادرات غير البترولية لمصر، حيث شكلت مبيعات الذهب غير المشغول (Unwrought Gold) وحده نحو 14.8% من إجمالي الصادرات المصرية السلعية البالغة 51.4 مليار دولار في عام 2025م.
وتظهر التحليلات الجغرافية تركزاً شبه كامل لهذه التدفقات في سوقين رئيسيين هما دولة الإمارات العربية المتحدة وسويسرا، اللتان استوعبتا ما يزيد عن 96% من إجمالي صادرات الذهب المصرية في القنوات الرسمية، وارتفعت واردات الإمارات من الذهب المصري بنسبة 103% لتصل إلى 1.76 مليار دولار خلال الأحد عشر شهراً الأولى من عام 2024م (مقارنة بـ 874 مليون دولار في الفترة ذاتها من عام 2023م)، في حين قفزت الصادرات الموجهة إلى سويسرا بنسبة 193% لتسجل مليار دولار، وفي المقابل، شهدت الوجهات التصديرية الأخرى تغيرات حادة، حيث تراجعت واردات كندا بنسبة 98% لتنخفض إلى 6 ملايين دولار فقط بعد أن كانت 373 مليون دولار، بينما سجلت الأردن نمواً مفاجئاً بأكثر من 2000% لتصل إلى 3.3 مليون دولار.
عند إخضاع أرقام الصادرات لعملية مطابقة كمية مع القدرات الإنتاجية الفعلية للمناجم المحلية في مصر، يظهر تباين هيكلي كبير؛ إذ يبلغ إنتاج مصر الرسمي من الذهب حوالي 15.8 طن سنوياً، ويأتي الجزء الأكبر من هذا الإنتاج من منجم “السكري” بالصحراء الشرقية، الذي سجل إنتاجاً بلغ 481 ألف أونصة (نحو 15 طناً) في عام 2024م، وارتفع بنسبة 4% ليصل إلى 500 ألف أونصة (نحو 15.5 طن) في عام 2025م تحت إدارة شركة “أنجلو جولد أشانتي” بعد استحواذها على شركة “سنتامين” في صفقة بلغت قيمتها 2.5 مليار دولار.
وبالنظر إلى أن قيمة الصادرات البالغة 7.6 مليار دولار في عام 2025م تعادل – بالنظر إلى متوسط أسعار الذهب العالمية القياسية لعام 2025م البالغة 3,468 دولار للأونصة17 – ما يقارب 68 طناً من الذهب الصافي، فإن هذا الحجم يتجاوز الإنتاج المحلي الإجمالي لجميع المناجم المصرية (بما فيها السكري، وحمش، وإيقات، ومناطق امتياز شركة شلاتين السودانية المحتلة من الجانب المصري) بأكثر من 50 طناً.
التحقيقات المتخصصة لمنظمة “سويس أيد” (SwissAid) ترجح تفسيراً جيو-اقتصادياً مغايراً؛ حيث تشير إلى أن كميات معتبرة من الذهب المصدر من مصر تحت تصنيف “الذهب المعاد تدويره” (Recycled Gold) ليست سوى سبائك مهربة من مناجم السودان جرى صهرها محلياً لإخفاء منشئها الحقيقي وتسهيل دمجها في سلاسل التوريد الدولية.
جدول 2: الميزان الكمي التقريبي للذهب في مصر: الإنتاج المحلي مقابل الصادرات وفجوة الإمداد (2025)
يمثل الذهب المحرك الأساسي للاقتصاد الحربي والتمويل العسكري في السودان منذ اندلاع النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023م، ويعد قطاع التعدين الأهلي (التقليدي) الركيزة الأساسية للإنتاج في السودان، حيث يستوعب أكثر من مليوني معدّن تقليدي وينتج ما يزيد عن 80% من الذهب المستخرج في البلاد، وتُقدّر التقارير الدولية إنتاج السودان السنوي من الذهب بين 70 و90 طناً.
ومع استمرار المعارك، سعت القوات المسلحة السودانية، التي تسيطر على مناطق الإنتاج والتعدين الرئيسية في الولاية الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر، إلى توجيه تدفقات الذهب نحو مصر بدلاً من تصديرها مباشرة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تتهمها بورتسودان بدعم قوات الدعم السريع، وبناءً على ذلك، تحولت مصر إلى وجهة استراتيجية بديلة ومفضلة لتصدير الذهب من المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني.
وأسهمت السياسات المالية لحكومة بورتسودان في تغذية مسارات التهريب بشكل غير مباشر؛ حيث فرضت السلطات رسوماً جمركية وضرائب باهظة تناهز 20% إلى 28% على مبيعات وصادرات الذهب الرسمية، مما دفع المنتجين والتجار السودانيين إلى تجنب القنوات الشرعية واللجوء للتهريب عبر الحدود الشمالية إلى مصر، حيث لا تتجاوز كلفة التهريب الإجمالية والعمولات المدفوعة للشبكات الحدودية نحو 10%، ويقابل ذلك فارق سعري مغرٍ للغاية، إذ قُدّر سعر غرام الذهب عيار 21 في مصر بنحو 80 إلى 85 دولاراً، مقارنة بنحو 55 إلى 60 دولاراً في الأسواق السودانية، مما يمنح المهربين هوامش ربح استثنائية تتراوح بين 60% و80% ويغطي مخاطر النقل البري.
وعلى الرغم من إعلان السلطات السودانية في بورتسودان عن تصدير 27.96 طناً من الذهب بقيمة تقارب 1.6 مليار دولار في عام 2024م، وتصدير ما قيمته 16.3 مليون دولار فقط رسمياً إلى مصر وفقاً لبيانات بنك السودان المركزي7، فإن التقديرات الميدانية لمعهد “تشاتام هاوس” تؤكد أن حوالي 60% من إنتاج الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني (الولاية الشمالية، نهر النيل، البحر الأحمر) يتسرب عبر الحدود الشمالية إلى أسواق مصر، ويُقدر معدل التهريب اليومي عبر هذه المسالك بنحو 100 كيلوغرام، ما يعني تدفق ما يفوق 60 طناً من الذهب السوداني غير الموثق إلى الأسواق المصرية خلال عامي 2023م و2024م.
تعتمد عمليات تهريب الذهب السوداني على شبكات جغرافية وقبلية متكاملة تستغل الطبيعة الوعرة للحدود البرية الممتدة بين البلدين، والتي تفتقر إلى التواجد الإداري الفعال للدولة السودانية نتيجة الحرب، وينطلق المحور الرئيسي لعمليات التهريب من مدينة “أبو حمد” في ولاية نهر النيل، والتي تمثل المركز اللوجستي للتعدين التقليدي في شمال السودان، ومنها تتحرك شحنات الذهب عبر دروب الصحراء القاحلة حتى تقترب من خط الحدود المشترك، حيث تلتقي شبكات المهربين السودانيين مع نظرائهم من الجانب المصري.
وتشير البيانات الميدانية إلى أن القبائل الحدودية العابرة للمنافذ، مثل قبائل “العبابدة”، و”البشارية”، و”الرشايدة”، تمثل العمود الفقري لإدارة اللوجستيات وحماية الشحنات وتأمين ممرات العبور الجبلية السرية في الصحراء الشرقية ومحيط مثلث حلايب وشلاتين، ويتم تسليم الذهب في نقاط لقاء مجهزة مسبقاً في مناطق مثل أسوان، والأقصر، وكوم أمبو، وإدفو، حيث يجري الدفع نقداً بالدولار الأمريكي، أو عبر التبادل العيني المباشر بسلع أخرى، وتعد هذه العملية حلقة تبادلية متكاملة (Smuggling Loop)؛ إذ يستخدم التجار عوائد الذهب في مصر لشراء سلع استراتيجية وتهريبها مجدداً إلى الداخل السوداني، مثل المحروقات، والمواد الغذائية، وزيوت الطعام، بالإضافة إلى المواد الكيميائية المستخدمة في التعدين الأهلي كالزئبق والسيانيد.
ولحماية هذه العمليات من الرصد والمصادرة من قبل الدوريات الأمنية، تتبع شبكات التهريب تكتيكات تمويهية تشمل تبديل السيارات المستخدمة في النقل فور اجتياز الحدود، أو تفكيكها وبيعها كقطع غيار داخل مصر لإخفاء الهوية اللوجستية للمركبات، وإلى جانب المهربين المحترفين، أسهم النزوح القسري لأكثر من 1.5 مليون لاجئ سوداني إلى مصر منذ اندلاع الحرب في إيجاد ممرات تهريب شخصية ومصغرة؛ حيث يعمد النازحون إلى إخفاء قطع الذهب الخام أو المشغولات في ملابسهم أو أمتعتهم كوسيلة موازية لنقل مدخراتهم واستخدامها كأداة مقايضة لتغطية كلفة السفر والاستقرار في مصر.
لم تكن القفزة الاستثنائية لصادرات الذهب المصرية معزولة عن البيئة التشريعية والسياسات النقدية التي أقرتها الحكومة المصرية؛ ففي مايو 2023م، أي بعد شهر واحد فقط من اندلاع الحرب في السودان، أصدر رئيس مجلس الوزراء المصري القرار رقم 1801 لسنة 2023م الذي يقضي بإعفاء واردات الذهب نصف المشغولة، والمعدة للتداول النقدي، والحلي والمجوهرات بصحبة القادمين من الخارج من الرسوم الجمركية والضرائب (باستثناء ضريبة القيمة المضافة على المصنعية) دون قيود على الكميات، وقد تم تمديد هذا القرار لضمان استمرارية تدفق المعدن الثمين إلى السوق المحلية واستقرار الأسعار وسط أزمة شح النقد الأجنبي التي عانت منها البلاد.
وسهلت هذه السياسة عملية شرعنة الذهب السوداني الوارد بصحبة النازحين أو عبر قنوات التهريب، حيث تلاشت الفوارق الضريبية والجمركية عند المنافذ المصرية، وتزامنت هذه التدفقات مع زيادة ملحوظة في احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي المصري؛ إذ ارتفعت قيمة الذهب المدرج ضمن الاحتياطي الأجنبي بمعدل 70.67% على أساس سنوي لتسجل 18.166 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025م (مقارنة بـ 10.644 مليار دولار بنهاية عام 2024م)، وواصلت الارتفاع لتصل إلى 19.188 مليار دولار بنهاية مارس 2026م، وأسهم هذا النمو في رفع إجمالي الاحتياطيات الدولية الصافية لمصر إلى مستوى قياسي بلغ 51.452 مليار دولار بنهاية عام 2025م.
وإلى جانب المشتريات المعلنة للبنك المركزي لتعزيز رصيده من الذهب (مثل شراء 79.63 ألف أونصة خلال عام 2025م)، ونموالتوريد المحلي من منجم السكري وتوريدات شركة “شلاتين للثروة المعدنية” (SMRC) التي بلغت 945 كيلوغراماً في عام 2025م، وتجاوزت 250 كيلوغراماً في الربع الأول من عام 2026م، تبرز روابط سيادية وعسكرية تشير إلى استفادة مباشرة من التدفقات السودانية.
وتملك شركة شلاتين، التي تأسست عام 2012م بموجب قرار من مجلس الوزراء، هيكل ملكية يربطها مباشرة بالمؤسسة العسكرية؛ حيث يمتلك “جهاز مشروعات الخدمة الوطنية” التابع لوزارة الدفاع المصرية حصة تبلغ 34%، بينما تتوزع باقي الحصص بين الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية (35%)، وبنك الاستثمار القومي (24%)، والشركة المصرية للثروات (7%).
وتمتلك شركة شلاتين تفويضاً قانونياً لتنظيم وتقنين عمليات استخراج الذهب والتعدين الأهلي في المنطقة الاستراتيجية الواقعة بين خطي عرض 22° و24° شمالاً، وهي منطقة جغرافية تتقاطع مباشرة مع مثلث حلايب وشلاتين السوداني المحتل مصريا، والحدود المتاخمة للسودان.
وتشير تقارير “مرصد السلام السوداني” (Sudan Peace Tracker) إلى أن الذهب المستخرج من السودان والمناطق الحدودية المشتركة يجد طريقه للاندماج في احتياطيات البنك المركزي المصري، وتستغل القاهرة في ذلك علاقة التبعية السياسية والاقتصادية المفروضة على السلطات العسكرية في بورتسودان، والتي تعتمد على الدعم الدبلوماسي والعسكري المصري لتأمين شرعيتها الدولية، ويجعل هذا الاعتماد الجانب السوداني في موقف تفاوضي ضعيف لا يسمح له بفرض شروط تجارية متكافئة، مما يكرس تدفق الذهب والموارد والماشية بأسعار متدنية تخدم مباشرة الحسابات الجارية والاحتياطيات المصرية.
وعلاوة على ذلك، أعلنت النيابة العامة المصرية في 21 أبريل 2026م عن تسليم كميات كبيرة من سبائك الذهب المصادرة إلى البنك المركزي المصري، ما يمثل دليلاً إضافياً على رصد ومصادرة الذهب غير الشرعي في الأسواق الموازية وضمه رسمياً إلى الأصول الاحتياطية للدولة.
تجاوزت المساعي المصرية لتأمين وضبط تدفقات الذهب الأطر القانونية والمالية لتتخذ طابعاً عسكرياً وميدانياً مباشراً في المناطق الحدودية؛ ففي 16 يونيو 2026م، شنت طائرات مسيّرة ومدفعية ثقيلة منسوبة للجيش المصري هجمات مكثفة استهدفت مواقع التعدين الأهلي التقليدي في منطقة “جبل العيقاد” (العيقادات) ومنجم “الأنصاري” الواقع داخل الأراضي السودانية في ولاية نهر النيل بالقرب من الحدود المشتركة، وأسفر الهجوم عن سقوط ما لا يقل عن 30 قتيلاً وإصابة أكثر من 80 آخرين من المعدنين السودانيين، إلى جانب حرق وتدمير سيارات النقل والمعدات المخصصة لاستخلاص الذهب، مما تسبب في حركة نزوح جماعي للمعدنين نحو الجبال الجافة والمغارات المحيطة مثل جبل الأحمر وجبل الأبيض.
وتعكس هذه الضربات نمطاً متكرراً من التدخلات؛ إذ شاركت الطائرات الحربية والمسيّرات المصرية في ضربات مماثلة في يونيو، وأكتوبر، ونوفمبر 2025م، بالإضافة إلى غارة في 9 يناير 2026م، استهدفت قوافل أسلحة ومواد تهريب تتحرك بين قاعدة “الكفرة” الليبية وإقليم دارفور . ومع أن القاهرة تؤطر هذه العمليات رسمياً كجهود أمنية لمنع تدفقات الأسلحة وضبط الأمن القومي على حدودها الجنوبية، إلا أنها ترتبط وثيقاً بفرض الهيمنة وتأمين مسارات التعدين.
وتكشف الشهادات الميدانية للمعدنين السودانيين عن وجود نزاعات ميدانية قديمة حول نقاط التنقيب القريبة من معسكرات حرس الحدود المصري؛ إذ يتهم المعدنون القوات المصرية بملاحقتهم وحرق خيامهم وآلياتهم داخل مناطق يعدونها سودانية، بدعوى تجاوزهم خط الحدود الشمالي والتنقيب غير القانوني بجوار الامتيازات التعدينية التي تديرها شركة شلاتين ومستثمروها المرخصون.
ويمتد هذا التدخل إلى منطقة “جبل العوينات” الحدودية المشتركة بين مصر والسودان وليبيا، حيث وثقت تقارير سابقة هجمات لوحدات عسكرية مصرية على منقبين سودانيين بذريعة حماية أنشطة التنقيب التابعة لشركات تعدين مصرية عاملة هناك، على الرغم من دفع هؤلاء المعدنين لرسوم رسمية للشركة السودانية الموارد المعدنية.
وفي سياق متصل، شهد شهر مارس من عام 2025م تصعيداً ميدانياً حاداً إثر مقتل العميد أحمد سمير، من القوات المسلحة المصرية، خلال مطاردة برية لضبط عصابات تهريب الذهب والتنقيب غير المشروع داخل مثلث حلايب وشلاتين وجبل إيقات وهي مناطق سودانية محتلة من قبل مصر، وأعقب الحادث استنفار عسكري مصري كبير وعمليات برية واسعة أسفرت عن مصادرة عشرات سيارات النقل التابعة لمنقبين ومهربين سودانيين، وتوجيه تحذيرات صارمة للقبائل المحلية بضرورة عدم الاقتراب من الحزام الحدودي الخاضع للسيطرة الأمنية المصرية.
تظهر الأدلة والمؤشرات المتقاطعة ترابطاً جيو-اقتصادياً وثيقاً يربط قفزة صادرات الذهب المصرية بحرب السودان؛ إذ يتبين أن مصر تمكنت من استيعاب كميات ضخمة من الذهب السوداني وتسييلها ودمجها في قنوات تصديرها الرسمية، وتتحرك هذه التدفقات مدفوعة بالسياسات الضريبية الطاردة في بورتسودان وفروق الأسعار الجاذبة في الصاغة المصرية، مستفيدة من قرار الإعفاء الجمركي الذي وفر الغطاء القانوني لدخول الذهب الخام.
ويتقاطع ذلك مع الحضور الأمني والعسكري المكثف للجيش المصري وذراعه الاستثماري المتمثل في شركة شلاتين للثروة المعدنية لتأمين السيطرة على خطوط العرض الحدودية وضبط الأنشطة التعدينية لضمان تحويلها لخدمة الاقتصاد المصري وبناء احتياطيات البنك المركزي.
ومع ذلك، تظل هذه الديناميكية محاطة بمخاطر جيوسياسية معقدة؛ فبينما تستفيد مصر جيو-اقتصادياً على المدى القصير من تدفقات “ذهب النزاع”، فإن استمرار الحرب وتفتت السودان يهددان المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى لكلا البلدين في حوض النيل وأمن البحر الأحمر، فضلاً عن ذلك، فإن الضغوط المتزايدة لمنظمات الرقابة الدولية والتوجه الدولي لفرض معايير صارمة على تتبع منشأ الذهب قد يعرض قنوات التصدير المصرية لاختبارات شفافية حرجة في المستقبل القريب.
وهذا التقرير له ما بعده …
