شرق السودان أمام منزلق خطير: الاستقطاب القبلي وخطاب الكراهية يهددان الأمن والسلم المجتمعي
حذرت قيادات مدنية وسياسية من منزلق أمني وسياسي خطير في شرق السودان، مع تصاعد الاستقطاب القبلي وخطاب الكراهية خلال الأسابيع الأخيرة. وقالت مصادر رسمية إن الحكومة تتابع بقلق تحركات جهات تستثمر في الخطاب الإعلامي والمجتمعي لتأجيج الفتن، بما يهدد الأمن القومي والسلم الاجتماعي في الإقليم.
وكالات – بلو نيوز
حذرت قيادات مدنية وسياسية من منزلق أمني وسياسي خطير في شرق السودان، مع تصاعد الاستقطاب القبلي وخطاب الكراهية خلال الأسابيع الأخيرة، وسط مخاوف من انزلاق الإقليم إلى موجة جديدة من العنف تهدد التماسك الاجتماعي الهش.
وكشفت مصادر رسمية لـ“سودان تربيون” عن قلق حكومي بالغ إزاء حالة الاستقطاب العشائري الراهنة، مؤكدة أن الأجهزة المختصة تراقب عن كثب تحركات بعض الجهات التي تعتمد على بث خطاب إعلامي ومجتمعي يؤجج الفتن القبلية، ويهدد الأمن القومي والسلم الاجتماعي في الإقليم.
واتهم القيادي في تجمع القوى المدنية بشرق السودان، ووالي كسلا السابق صالح عمار، السلطة الحاكمة بالتربص بأهل الشرق، معتبرًا أن ما يجري يندرج ضمن محاولات تفكيك التماسك الاجتماعي في الإقليم، تمهيدًا لتمرير صفقات مرتبطة بالأرض والموارد.
وقال عمار، في حديث لـ“سودان تربيون”، إن السلطة التي يقودها عبد الفتاح البرهان، بحسب تعبيره، لا تملك موردًا ينقذها سوى رهن أراضي الشرق الشاسعة والخصبة والغنية بالمعادن، من أجل سداد ديونها الخارجية، والحصول على مزيد من السلاح، وتغطية نفقات الفساد داخل مؤسساتها.
واعتبر أن تماسك قبائل الشرق وتمسكها بالأرض يشكلان عائقًا أمام هذه الغاية، مشيرًا إلى أن الأجهزة الأمنية في بورتسودان تلجأ، وفق قوله، إلى صناعة المشكلات القبلية بغرض تفكيك التماسك الاجتماعي، وشغل القبائل بنزاعات تسهل تمرير الصفقات ونهب موارد الإقليم.
وأضاف عمار أن القوى المدنية في شرق السودان كانت، ولا تزال، من أبرز المستهدفين بحملات التحريض، مؤكدًا أن منهجها في مواجهة هذه الهجمات يقوم على الصبر، وعدم الانجرار إلى خطاب الكراهية والعنف.
وشدد على أن أهل الشرق أصبحوا أكثر وعيًا بخطورة هذه المخططات، بعد التجارب السابقة، لا سيما أحداث عام 2019، مشيرًا إلى استمرار القوى المدنية في العمل مع القيادات المجتمعية والمستنيرة لتوعية المواطنين بمخاطر التفكيك والتقسيم، والدفع نحو توافق حول قضايا الإقليم وحقوقه في الحرية والسلام والتنمية والموارد.
ودخل شرق السودان، خلال الأسابيع الأخيرة، مرحلة جديدة من التوتر الأمني والسياسي، عقب تصاعد الجدل في مدينة كسلا على خلفية تصريحات أطلقها ناظر عموم قبائل الهدندوة ورئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا، سيد محمد الأمين ترك، مطلع يونيو الجاري، اعتبرتها مكونات محلية واسعة مساسًا بهويتها وتأجيجًا لخطاب الكراهية.
وجاءت تصريحات ترك خلال فعالية رسمية في مدينة كسلا، بحضور قيادات تنفيذية وأمنية، من بينها وزير الداخلية السوداني بابكر سُمرة ووالي كسلا الصادق الأزرق، حيث دعا إلى مراجعة وتحديد المكونات الفعلية لهوية “البجا” وترسيم الحدود بين النظارات، إلى جانب تطبيق اتفاق “القلد” المبرم سابقًا في البحر الأحمر لاحتواء النزاعات الأهلية.
وأثارت التصريحات ردود فعل غاضبة، إذ عقدت نظارة قبائل البني عامر مؤتمرًا صحفيًا في كسلا، وجهت فيه انتقادات حادة للقيادة السياسية والتنفيذية، وطالبت رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بمحاسبة وزير الداخلية وإقالته، معتبرة أن صمت الوزير ووالي كسلا أثناء إطلاق تلك التصريحات يمثل مباركة ضمنية لخطاب الإقصاء.
وفي السياق ذاته، قالت أمينة سياسات النوع وعضوة الأمانة السياسية في حزب المؤتمر السوداني، عبلة كرار، إن شرق السودان يشهد خللًا كبيرًا في دور الدولة والأجهزة الأمنية، محملة عناصر مرتبطة بالنظام السابق داخل مؤسسات الدولة مسؤولية تغذية خطابات الكراهية.
وأضافت كرار، في حديث لـ“سودان تربيون”، أن خطاب الفتنة والكراهية يطغى حاليًا على جهود القوى المدنية لبناء السلام والتعايش السلمي، معتبرة أن الحكومة الموجودة في بورتسودان لا تدعم السلام، بل تسمح ببث خطاب الكراهية تحت مرأى وسمع مؤسساتها.
وحذرت كرار من خطورة اندلاع أي مواجهة مسلحة في شرق السودان، قائلة إن “انطلاق رصاصة واحدة” قد يدفع الإقليم إلى انفجار واسع وحرب مفتوحة بين مكوناته، في ظل انتشار السلاح بصورة كثيفة، ووجود استعراضات عسكرية لمجموعات محلية.
وأشارت إلى أن استخدام بعض الإدارات الأهلية كرافعات سياسية ظل ممارسة مستمرة منذ عهد نظام الإنقاذ، مرورًا بفترة الحكم العسكري خلال المرحلة الانتقالية، وصولًا إلى مرحلة إغلاق الطرق والميناء، وانقلاب البرهان، وما أعقب ذلك من توترات سياسية وأمنية.
وترى كرار أن ما يجري حاليًا في شرق السودان يعكس “عبث الدولة” عبر منح القبيلة أدوارًا سياسية تتجاوز طبيعتها الاجتماعية، معتبرة أن الفتنة الراهنة مقصودة من أطراف ترى مصلحتها في خلق الفوضى وتوسيع دائرة العنف.
وتتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار خطاب الاستقطاب والتعبئة القبلية إلى تفجير الأوضاع في إقليم حساس جغرافيًا واقتصاديًا، في ظل ارتباط شرق السودان بالموانئ والطرق الاستراتيجية والموارد الطبيعية، ما يجعل أي اضطراب واسع فيه ذا انعكاسات مباشرة على مستقبل البلاد وأمنها القومي.
