حاتم الياس: الدعم السريع .. المليشيا ذلك المجهول

2
hatim

حاتم الياس

قبيل الواحد كتب عن موضوع أبو رهف ده بشيء من السخرية أو (القريق)، كما يقال في الدارجة. ولا أدري إن كان أصلها عربيًا فصيحًا أم من لغة النوبة أو البجا، لكني أرجح أنها بجاوية، ربما لأنني التقطتها من بيئتي المتداخلة مع الثقافة البجاوية.

عمومًا، حالة اللايفاتية النجوم في هذه الحرب، جهة بورتسودان، ونجوم الفن والفنانات، وطغيانهم الكبير على المشهد، وإسنادهم الخطاب اليومي والدعائي للسلطة في هذه الحرب، إضافة إلى كتاب فيسبوك والجماعات التي تستخدم خطاب السخرية والتفكه ضد خصومهم في القوى المدنية، ناس: «عاين لي عاين لي قال شنو… وقرقرقر…» حيث تنفرج أسارير اللايكات؛ جعلتني ألاحظ أن بورتسودان دي قاعدة في السهلة ساي.

ورغم أن هناك مثقفين وكتابًا كبارًا اتشمروا وملصوا البدل والقمصان، زي ما بتقول الأغنية، عشان يبنوا خطابًا يحاول إيجاد نسق سياسي ومعرفي، في الحد الأدنى والمعقول، يستند إلى فكرة الدفاع عن الدولة وجيشها، لكن أبو رهف بعشرة منهم، وعمسيب بخمسين، وذو النون بخمستاشر.

وده لأن فكرة الدفاع عن الجيش والدولة اصطف حولها عدد كبير من المشارب الفكرية المختلفة: الماركسي، والقادم من نظرية التحليل الثقافي، واليسار الجديد، والإسلامي، وأنصار السنة، وحزب الأمة، والاتحادي، وقطاع عريض وشعبي واسع خرجوا جميعًا من رعب اللحظة الوجودية، لا من سجل الانتهاكات وحده، وإنما أيضًا من الخوف من فقدان الغطاء الاجتماعي والسياسي للدولة التي يعيشون تحت ظلها.

أها… ديل كلهم لم يجدوا من يثقف لهم لحظة الحرب وما تلاها بشكل أعمق، بحيث يرسم ملامح خطاب مشترك وموحد. فكان الانصرافي هو المهم، وأبو رهف، وآخرون أيضًا وجدوا في بحر ونهر عمسيب ضالتهم كتفسير عرقي للحرب. وبقى كل زول شايل طاره ويدق إيقاعه الخاص، لكن الجميع لماهم تحالف الخوف من فقدان الدولة.

لكن في الجهة الأخرى، يجد الدعم السريع، في تحالف تأسيس، غطاءً فكريًا جاهزًا وفرته له الحركة الشعبية. لذلك ستجد ثمة خطابًا موحدًا، أيا كانت درجة التعاطي معه أو استيعابه كمشروع، وسط جنود الدعم السريع؛ من زول لقى نفسه فجأة في حرب وبيدافع عن مجموعته بوعي العشيرة والقبيلة، إلى زول انخرط الآن في مشروع يحمل رؤيته الفكرية والسياسية. ودي، طبعًا، ستكون عملية بناء معقدة وصعبة.

لكن ما يجب أن نلتفت إليه أنه بالفعل هناك وعي تشكل، شكلته الحرب نفسها لأولئك الجنود في الدعم السريع، وبدأ يأخذ ملامحه، ويمكن أن تسميه (وعي الميدان).

وأعني بوعي الميدان بناء سردية مشتركة حول الحرب، وتصورات أخذت ملامح الخطاب السياسي، وانفتحت على سؤال: لماذا نقاتل؟ هل أنا أقاتل كفزع قبلي موروث عن أبناء عشيرتي وجلدتي وحواضني، أم أن الأمر فتح دربًا آخر نحو سؤال السلطة والدولة والمظالم؟

يعني ما ممكن أصلًا زول شايل سلاحه الزمن ده كله وهدفه بس يسرق ويكتل ويشفشف. أربعة سنين من الحرب، الشفشفة والسرقة والنهب، أصلها ما بتكمل لو كده؛ ده أكل عيش قاسٍ جدًا وخطر. لكن هناك وعي ميدان، وهو الوعي الذي لم تقرأه في كتاب، ولا قعدت تتلقاه في منتدى أو ركن نقاش، وإنما جاءت به الحرب نفسها. أنت الآن في حرب، فما غاية حربك؟ وما مسارها؟ وما نهايتها؟

صديقي، الذي كان يعادي ويكره حكومة حمدوك بلا هوادة، مثل آخرين كان لديهم اعتقاد، وما زالوا، بأنهم أصحاب النسخة الثورية الحقيقية من إصدارة الثورة، أو يمكن أن تسميهم الراسخين في العلم الثوري، كان يكتب باستمرار في فيسبوك مناديًا بذهاب حمدوك وحكومته. ثم ما إن جاء الانقلاب حتى صمت، وعاد إلى مشاغل حياته. لا أدري إن كان ما زال مشغولًا بالنسخة الثورية التي يحلم بها، أم أنه جلى القصة كلها.

على العموم، خلينا في قصته. فقد حكى لي نكتة طريفة عن سوداني عريبي في أحد مطارات أوروبا. كان هناك كمبيوتر تسأله عن موعد الطائرة، فيجيبك صوتيًا: طائرتك ستقلع الساعة كذا، من الترمينال رقم كذا، ويعطيك كل التفاصيل، وما فضل له إلا يقودك بنفسه ويركبك الطيارة.

أها، العربي ده مقلق وما عنده موضوع، بقى كل شوية يجي يسأل الكمبيوتر. لغاية ما الكمبيوتر زهج وقال ليه:

«شوف يا عربي، يا وهم، إنت قاعد زازي فيني كده: طيارتي متين؟ طيارتي متين؟ لمن الطيارة تفوتك!»

أها، إنتو أقعدوا باروا لي الانتهاكات، وشردونا، وقتلونا، والإمارات، واختطاف الدولة، واستثمروا في خطاب الفجيعة ده — وأنا هنا لا أستخف ولا أقلل أبدًا، وإنما أحاول أن أعقلن النظر إلى المشهد — لغاية ما تلقوا ناس تأسيس دخلوا بورتسودان بجيشهم وحكومتهم واستلموا البلد.

ـــــــــــــــــــــــ

: عنوان المقال مستوحى من اسم البرنامج التلفزيوني السوداني القديم «الكون ذلك المجهول».

What do you feel about this?