ashraf

أشرف عبدالعزيز

تتكشف في هذه الواقعة صورة مكتملة الأركان للفساد المالي والعبث الإداري الذي يضرب مؤسسات الدولة في الصميم، وتعود تفاصيل القصة إلى معتمد أسبق بإحدى الولايات الشمالية، شغل موقعاً تنفيذياً رفيعاً في إحدى الشركات الحكومية القابضة المؤتمنة على كنوز البلاد ومقدراتها. فعند بلوغه السن القانونية المحددة للتقاعد، جرت إجراءات إحالته إلى المعاش بشكل طبيعي، وتمت تسوية مستحقاته وصرف كامل حقوقه التقاعدية عن فترة خدمته. غير أن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد؛ إذ عاد المسؤول السابق مجدداً بعد فترة قصيرة ليطالب بإلغاء قرار تقاعده وصرف فروقات مالية ضخمة، مستنداً إلى ذريعة غير مألوفة تدعي وجود خطأ في بيانات ملفه الوظيفي.

ولتدعيم ادعائه، تقدم بشهادة رقم وطني جديدة ومختلفة تماماً، تنقص من عمره المعتمد خمس سنوات كاملة، وكأن هذا الكائن قد ولد مرتين وفي مناسبتين مختلفتين. والأدهى من ذلك أن إدارة الشركة لم تكتفِ بالاستجابة المستغربة لطلبه وتعديل وضعه الوظيفي، بل قامت بصرف مبالغ طائلة بلغت زهاء 200 مليار جنيه سوداني كفروقات مالية، مع إعادة إقرار حقوقه التقاعدية وصرفها للمرة الثانية، دون فتح أي تحقيق إداري أو جنائي حول التناقض الصارخ بين المستندين أو شبهة تزوير الأوراق الرسمية.

وتعكس هذه الواقعة المأساوية تصريحات رئيس الوزراء كامل إدريس التي تشكو من استشراء الفساد وتردي حال الخدمة المدنية، لتضعه بصورة مباشرة أمام مسؤوليته المباشرة في معالجة قضية تجسد الخلل في ثلاث جهات سيادية يفترض بها أن تكون الحصن المنيع لحماية المال العام، لا الساحة لممارسته

وتتداعى في هذا السياق علامات استفهام حائرة وتساؤلات مشروعة تبحث عن إجابات حاسمة: كيف استطاع هذا الموظف استخراج شهادتي رقم وطني ببيانات متضاربة وتواريخ ميلاد مختلفة من مظلة وزارة الداخلية؟ ومن هو الموظف الذي ولج إلى نظام السجل المدني وقام بتعديل البيانات، وكم تقاضى مقابل هذه الخدمة المشبوهة، وما حجم التجاوزات المماثلة التي تمت بعيداً عن أجهزة الرقابة؟ وهل ستنتفض وزارة الداخلية لفتح تحقيق شفاف وتعلن نتائجه للمواطن المغلوب على أمره، أم أن مافيا الفساد داخلها خارج دائرة المحاسبة؟ ثم كيف سمح ديوان المراجعة القومي بصرف كل هذه الملايين بمستندات متضاربة، وهل يتدخل المراجع العام ليقوم بدوره الرقابي، أم يفضل الصمت والتجاهل كما حدث في قضايا سابقة؟

وأخيراً، كيف للشركة القابضة المنوط بها حفظ كنوز الوطن أن تتحول إلى ساحة لاستنزاف الأموال وإعادة صرف المستحقات مرتين دون أدنى مراجعة؟

تتضح أوجه التقصير في هذه القضية عبر ثلاثة مستويات رئيسية؛ أولها التقصير الأمني والإداري في وزارة الداخلية، نتيجة الاختراق الواضح لنظام السجل المدني وتسهيل التلاعب بالوثائق السيادية واستخراج مستندات رسمية مزورة. وثانيها التقصير الرقابي الجسيم من ديوان المراجعة القومي، الذي مارس التغاضي أو التساهل الشديد، وافتقر إلى آليات التدقيق والإنذار المبكر عند صرف مبالغ ضخمة بناءً على أوراق متناقضة. وثالثها التقصير التنفيذي والأخلاقي داخل إدارة الشركة الحكومية القابضة، التي غلّبت النفوذ السياسي والمحسوبية الخاصة بالموقع السابق للمسؤول داخل الحزب المحلول على الضوابط القانونية والمالية، وقبلت بسداد حقوق مضاعفة وإلغاء قرار التقاعد دون الاستناد إلى أي مسوغ قانوني سليم أو اتخاذ إجراءات التحقيق اللازمة

إن هذه الحادثة لا تمثل مجرد تعدٍّ فردي على المال العام، بل تشكل اختباراً حقيقياً لمدى جدية الدولة في محاربة الفساد وتطهير الخدمة المدنية من المحاصصات والنفوذ الموروث.

إن الوقوف في وجه هذه الممارسات يستدعي تحركاً عاجلاً يسترد الأموال المنهوبة، ويحاسب كل من شارك أو سهل أو صمت عن هذه الجريمة، بدءاً من السجل المدني ومروراً بالمراجع المالي وانتهاءً بإدارة الشركة، إذ لا يمكن بناء دولة القانون أو إصلاح مؤسساتها في ظل وجود أفراد أو جهات توضع فوق مستوى المحاسبة والرقابة.

What do you feel about this?