أحمد عثمان جبريل: حوار الطرشان .. صفر كبير
أحمد عثمان جبريل
❝حين يكون الوطن محاصراً بالنار.. فإن أسوأ ما يمكن أن تفعله قيادته أن تنشغل بما سيقال بعد النجاة، قبل أن تفعل ما يلزم للنجاة.❞
تقول الحكاية: حين كانت بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، تقترب من واحدة من أكثر لحظاتها سواداً، كان هولاكو قد عبر المسافات بجيشه، وبدأ الخطر يضيق حول المدينة.
كان المستعصم بالله في قلب المشهد، وكانت الدولة قد أنهكتها الانقسامات، وأثقلها ضعف القرار، حتى لم تعد بغداد تلك القوة التي ملأت الدنيا هيبة.
تقدم المغول..
واقترب الحصار..
ثم سقطت بغداد سنة 656هـ..
لم تسقط في يوم واحد؛ فقد بدأت السقوط قبل أن تدخل جيوش هولاكو أبوابها.. يوم تراكم الضعف، واختلطت الأولويات، وصار الكلام أطول من القدرة على الفعل..
ومن بغداد تمشي الحكاية على قدميها..
تعبر القرون..
وتصل إلى الخرطوم.
(1)
في الخرطوم اليوم، يتحرك حوار سوداني من الداخل.. لجنة تتحرك، ومشاركون يُدعون، وترتيبات تُعد، وقاعات تُجهز، ونفقات ستُدفع، وكأن السودان وجد أخيراً الباب الذي سيدخل منه إلى المستقبل.
لكن السؤال الذي يسبق كل ذلك ليس: من سيجلس؟
بل: (إلى ماذا سيجلسون؟)
ما الغاية؟.. ما الرؤية؟.. وما الذي سيخرج به السودان بعد آخر جلسة؟..
فالحوار ليس مناسبة سياسية تُقام كي يقال إنها أُقيمت.. الحوار طريق. والطريق الذي لا يعرف الناس نهايته قد يتحول إلى دورانٍ طويل حول الأزمة.
(2)
ثم تقف الحرب في منتصف القاعة، حتى لو لم تدخلها..
هناك بندقيتان تتقاتلان.. الجيش والدعم السريع، وبلدٌ يدفع من دمه وبيوته ومستقبله ثمن هذه الحرب..
فمن يسمع من؟..
إذا كان الحوار لإنهاء الحرب، فالحرب يجب أن تكون في قلبه.. وإذا كان للسلام، فلا سلام من دون مخاطبة من يملكون مفاتيح الحرب.
أما أن تتقاتل بندقيتان، ثم يجلس آخرون يتحدثون عن مستقبل السودان، فهنا يصبح السؤال أكبر من الحوار نفسه:
“هل نتحدث عن علاج الجرح.. أم عن ترتيب الغرفة بينما الجرح ينزف؟”
(3)
وخارج القاعة، يقف السودان الحقيقي..
نازح ينتظر العودة.. أم تخاف على أطفالها.. طالب فقد مدرسته.. مريض يبحث عن دواء.. وأسرة تنتظر الماء والكهرباء.. ومواطن يريد فقط أن ينام ليلة واحدة دون أن يفزعه صوت الرصاص.
السوداني لا يريد أن يعرف عدد الجلسات.. يريد أن يعرف متى تنتهي الحرب..
لا يريد بياناً ختامياً.. يريد بيتاً يعود إليه..
لا يريد صورة جماعية للمتحاورين.. يريد أن يرى مدينته تستعيد صورتها.
تلك هي الأجندة التي كتبتها الحرب على وجوه الناس، ولم تحتج إلى لجنة لصياغتها.
(4)
ثم تأتي فاتورة الحوار..
تذاكر.. ترحيل.. إقامة.. إعاشة.. نثريات.. قاعات.. وحساب طويل ستدفعه خزينة دولة أنهكتها الحرب..
نحن لا نسأل عن المال لأن الحوار لا يستحق الإنفاق.. بل نسأل: “ما الذي سيشتريه هذا الإنفاق للسوداني؟”..
إذا كان كل جنيه يمكن أن يعيد مستشفى إلى الخدمة، أو يصلح شبكة مياه، أو يعيد الكهرباء إلى حي، أو يفتح مدرسة، فالأولوية ليست رقماً في دفتر الحسابات.
المال العام ليس ورقاً في خزينة..
إنه حياة مؤجلة لمواطن.
(5)
وتأتي الكهرباء لتكشف المفارقة كاملة.. بلد يبحث عن النور.. ويناقش مستقبله تحت ضوء مولد..
يا لها من صورة تختصر المشهد كله!
محطات تحتاج إلى إصلاح.. شبكات تحتاج إلى إعادة بناء.. ومؤسسات تكافح كي تستمر، بينما تُجهز القاعات وتُرتب المقاعد لمناقشة مستقبل بلد لم يستعد بعد أبسط شروط الحياة..
كان يمكن أن يكون السؤال: “كيف نعيد الكهرباء؟”..
لكنه صار: من سيجلس؟.. وماذا سيقول؟.. ومن سيخرج؟..
نحن نريد أن نضع الطاولة أولاً..
قبل أن نعيد بناء الأرض التي ستقف عليها.
(6)
وهنا يقف عبد الفتاح البرهان أمام سؤال الشعب، لأنه صاحب الدعوة:
(ماذا تريد يا سيادة الفريق من هكذا حوار؟)..
إن كان لإنهاء الحرب.. فأين الطريق الذي يقود إلى وقفها؟..
وإن كان للسلام.. فأين خارطة الطريق؟..
وإن كان لبناء الدولة.. فأين أولويات المواطن؟..
وإن كان لإعادة ترتيب السلطة.. فلماذا لا يقال ذلك للشعب بوضوح؟
من يدفع الفاتورة يملك حق معرفة الغاية.. والشعب هو من يدفع.
(7)
وهنا نصل إلى «الصفر الكبير»..
ليس لأننا نملك الغيب، ولا لأن الحوار محكوم عليه بالفشل قبل أن يبدأ، ولكن لأن أي حوار لا يقترب من أصل الأزمة سيظل معرضاً لأن يصبح كلاماً يدور حول نفسه..
حرب مستمرة..
بندقيتان خارج الطاولة..
رؤية لم تتضح..
غاية لم تُحسم..
ومواطن ينتظر ماءً وكهرباءً ودواءً ومدرسةً وبيتاً آمناً..
قد يجلس المتحاورون..
وقد تتكاثر الأوراق..
وقد تمتد الجلسات..
وقد يصدر البيان الأخير..
لكن ماذا سيأخذ المواطن معه إلى بيته؟..
إذا ظل السؤال قائماً: (متى تتوقف الحرب؟)..
فإن كل الكلام، مهما كان جميلاً، سيظل طريقاً طويلاً إلى الصفر.
ما نود قوله هنا: أن السودان لا يحتاج حواراً يثبت أنه يعرف الكلام..
السودان يحتاج حواراً يعرف كيف يوقف الحرب..
يحتاج أن تتقدم حياة الناس إلى أعلى الطاولة: إيقاف الحرب قبل شكل السلطة.. عودة النازحين قبل البيانات.. المستشفى قبل الاجتماعات.. الماء قبل النثريات.. والكهرباء قبل القاعات.
فبغداد لم تبدأ سقوطها يوم دخلها المغول فقط.. بل بدأت يوم تراكمت الأخطاء، ولم يعد أحد يرى الخطر بحجمه الحقيقي.
فلا تجعلوا السودان يدفع ثمن خطأ جديد..
فالجراح التي تُصنع اليوم لن يدفع ثمنها جيلنا وحده..
قد يدفعها أبناؤنا وأحفادنا.
ومضة:
❝حين تكون البلاد محاصرةً بالرصاص، لا تسألوا كم كرسياً حول الطاولة.. اسألوا أين الطريق الذي يعيد الوطن إلى أهله. وحين تغيب النتيجة عن السؤال.. تصبح الفاتورة وحدها هي الحقيقة.❞
توقيع أفق الحرف..
أفقٌ يترفق باتساعه ليقول:
حين يعلو صوت الرصاص.. لا ترفعوا صوت الكلام، اخفضوا صوت البندقية.
إنا لله ياخ..
الله غالب.
