ابراهيم مطر: كائنات ناجي العلي الكاريكاتورية تتدافع نحو حوار البرهان
ابراهيم مطر
لو كان رسام الكاريكاتير الفلسطيني الفنان الراحل ناجي العلي حياً بيننا اليوم، يطالع تفاصيل المشهد السوداني المأساوي، لظن أن رسوماته القديمة تلك قد وجدت طريقها للحياة ككائنات بشرية من لحم ودم، تزحف في أزقة بورتسودان المشبوهة والضيقة، بحثاً عن ما خلفه الخراب من متاع قليل.
سيجد ذات الرجال البدينين عديمي الملامح والرقاب بوجوههم المنتفخة، وهم يتهافتون على ما يعرضه العسكر عليهم من فتات، وسيجد ذات الأجساد المنبطحة تستجدي موطئ قدم في قطار السلطة، من جنرال لم يعد يملك سوى الوعود السرابية والمناورات المكررة، والرشاوي والأكاذيب.
رسم ناجي العلي الشخصيات المهرولة نحو المساومات السياسية المشبوهة على شكل رجال ممتلئي الأجساد، بمؤخرات ضخمة، وبطون منفوخة، ورقاب مخفية أو معدومة. أما أقدامهم فكانت أشبه بكتل هلامية ثقيلة، تزحف أكثر مما تمشي. واستخدم في رسوماته كائنات طفيلية أو حيوانات بملامح مشوهة كأنف شبيه بخرطوم آكل النمل للتعبير عن امتصاص ثروات الشعوب والتطفل على قضاياها. وصور (زبائن) المفاوضات والحوارات التي تفتقد للمصداقية هؤلاء، وهم يزحفون على بطونهم أو يلتوون ككائنات رخوية تتحرك بلا موقف ثابت تحت أقدام القوى المهيمنة.
واليوم يظهر اللاهثون خلف سراب البرهان الإخواني الكذوب، بمظهر النخبة الحريصة على “السيادة والوطن”، بينما ترسم خطوط الواقع أقدامهم الكاذبة وهي تزحف لمباركة حوار يفتقر لأدنى مقومات المصداقية، ومصمم خصيصاً لإعادة إنتاج حكم الفرد والجنرالات، بوجوه مدنية مستعارة.
تحول المحامي نبيل أديب، الذي عرفه السودانيون يوماً بصفته قانونياً يرتدي ثوب الدفاع عن الحقوق والحريات، ورئيساً للجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة، إلى ما يشبه “محامي الشيطان”، مبرراً لقرارات البرهان ومحللاً قانونياً لخطواته، ومهرولاً ومُهللاً لحوار أعرج ترفضه القوى الحية الصامدة. وانخرطت فيه شخصيات أدمنت التناقض بين شعاراتها العامة وسلوكها القمعي على أرض الواقع، مثل مدير جامعة الأحفاد للبنات قاسم بدري.، الذي صُدم الشارع السوداني سابقاً بانتشار مقاطع فيديو تُظهره وهو يعتدي بالضرب والصفع على طالبتين داخل الحرم الجامعي أثناء احتجاجات معيشية، بل وخرج بكل صلف ليبرر جرمه مستدلاً بالآية القرآنية “فاضربوهن”، لشرعنة القمع بذريعة “الولاية الأبوية الحامية”. إن انخراط بدري، الذي قوض بيده قيم استنارة المرأة وجامعته العريقة، في جوقة الترحيب بمبادرات البرهان يثبت أن من يبرر قمع السوط داخل قاعات العلم، لن يجد غضاضة في مباركة قمع المدافع في صالونات السياسة.
ولا تعتبر مثل هذا التحولات سلوكاً فردياً، بل هو انعكاس لطبقة نخبويّة تقتات على التسويات الفاسدة، وتجيد القفز من مركب المبادئ إلى حضن السلطة ولو كانت تفتقد وبشدة للشرعية.
ولا يخفى على المشاركين في حوار الطرف الواحد هذا، إن تنظيم الحركة الإسلامية والذي أشعل الحرب ويتخذها كمطية من أجل العودة إلى السلطة على الجثث والجماجم، هو من يدير هذه التظاهرة الملهاة، لضمان الإفلات من العقاب والاستمرار في نهب المال العام، والانتقام من القوى المدنية التي أشعلت ثورة ديسمبر، لكنهم – مع ذلك – يصرون على ادعاء الغفلة، في تماهٍ تام مع “كائنات الظلام” في مسرح ناجي العلي البصري، والتي تتحرك مدفوعة بشهوتي البطن والفرج.
في المقابل، يقف “الناس اللي تحت” ــ بالتعيين المجازي لناجي العلي ــ وهم يرقبون هذا العبث. يقف المواطن السوداني النازح، المشرد، والجائع، تماماً كشخصية “فاطمة” العازة أو “حنظلة” الشاهد الصامد، يدير ظهره لهذه الصالونات السياسية المغلقة.
يدرك السودانيون بحسه الفطري أن حواراً يهلل له نبيل أديب، ويندفع في ركابه فلول النظام البائد في محاولة لإقناع الناس بأن التنازل عن الحقوق والحريات والعدالة هو ما يصنع السلام، لا يعدو كونه (صك شرعية مجاني) لجنرالات الجيش المسيس، وتذكرة مرور لإفلات القتلة والمفسدين من العقاب تحت لافتة “الوفاق الوطني” الزائفة.
انكسرت ريشة ناجي العلي برحيله الحزين في العام 1987، لكن ريشة التاريخ لا ترحم، فهي توثق بدقة كيف يتحول هؤلاء الساسة إلى كتل هلامية بلا بوصلة. ستبقى خطى المهللين من فلول وانتهازيين زاحفة في عتمة المصالح الضيقة، بينما يبقى التاريخ يسجل نصاعة مواقف الشارع الثابتة التي ترفض المساومة على دماء الشهداء وتطلعات شرفاء السودانيين في الحرية والعدالة الحقيقية.
