كهرباء السودان تهوي 75% .. والطاقة الشمسية تتحول من بديل إلى «رفاهية للنجاة»
«هوت قدرة السودان على إنتاج الكهرباء من نحو 4400 إلى 1100 ميغاواط منذ اندلاع الحرب، في انهيار أفقد الشبكة ثلاثة أرباع طاقتها ودفع ساعات الانقطاع إلى نحو 16 ساعة في مناطق عديدة، بينما تتجه الأسر إلى الطاقة الشمسية هرباً من العتمة، لكن كلفتها المرتفعة تترك ملايين السودانيين بلا بديل.»
متابعات – بلو نيوز
دفعت أزمة الكهرباء المتفاقمة في السودان أعداداً متزايدة من السكان إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة، وفي مقدمتها الألواح الشمسية، بعدما تحولت الانقطاعات الطويلة للتيار إلى جزء من الحياة اليومية، في وقت تجعل فيه التكلفة المرتفعة هذا البديل بعيداً عن متناول شريحة واسعة من السودانيين.
ومنذ نحو عام، تعتمد رندا المنصور، وهي ربة منزل تبلغ من العمر 31 عاماً وتعيش مع أطفالها الثلاثة في أم درمان، على ألواح شمسية ركبتها فوق سطح منزلها لمواجهة الانقطاعات المتواصلة، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة.
وتقول المنصور إن أزمة الكهرباء انعكست مباشرة على حياة أطفالها ودراستهم، إذ يذهبون صباحاً إلى المدرسة فلا يجدون الكهرباء، قبل أن يعودوا إلى المنزل ليواجهوا المشكلة ذاتها، ما جعل الحصول على مصدر بديل للطاقة ضرورة بالنسبة إلى الأسرة.
وتكشف الأرقام حجم الانهيار الذي أصاب قطاع الكهرباء منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إذ تراجعت قدرة السودان على إنتاج الطاقة من نحو 4400 ميغاواط إلى 1100 ميغاواط فقط، أي بانخفاض يقارب 75%، وفق مسؤولين في قطاع الكهرباء تحدثوا إلى وكالة «أسوشيتد برس».
وبحسب المسؤولين، تعرضت محطات ومنشآت للطاقة لهجمات بطائرات مسيرة، بالتزامن مع مغادرة ما يقرب من نصف المهندسين والفنيين الأكثر خبرة في القطاع البلاد منذ اندلاع الحرب، ما ضاعف صعوبة تشغيل الشبكة وصيانتها واستعادة قدرتها الإنتاجية.
وقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية للكهرباء بنحو ثلاثة مليارات دولار، فيما وصلت فترات انقطاع التيار في مناطق عديدة خلال الأشهر الأخيرة إلى نحو 16 ساعة يومياً.
ومع اتساع فجوة الكهرباء، انتشرت في العاصمة بصورة متزايدة إعلانات الألواح الشمسية والبطاريات والمحولات، وتحولت أسطح المنازل إلى مساحة للبحث عن بديل لشبكة باتت عاجزة عن توفير التيار بصورة مستقرة.
لكن «شمس السودان» ليست حلاً متاحاً للجميع. ويقول محي الدين أبو بارك، صاحب شركة متخصصة في أنظمة الطاقة الشمسية بالخرطوم، إن تركيب نظام شمسي يمثل عبئاً مالياً كبيراً على الأسر محدودة الدخل، رغم تحوله بالنسبة إلى كثيرين من خيار إضافي إلى حاجة أساسية.
وتصل تكلفة نظام منزلي نموذجي بقدرة 10 كيلوواط إلى نحو خمسة آلاف دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر في ظل التدهور الاقتصادي وتراجع قيمة العملة المحلية.
وتتجاوز تداعيات العتمة حدود المنازل إلى تهديد احتياجات صحية أساسية. فمناهل مدني، الموظفة الحكومية البالغة من العمر 43 عاماً، تقول إنها لا تستطيع تحمل تكلفة نظام شمسي رغم حاجتها المستمرة إلى الكهرباء لحفظ الأنسولين داخل الثلاجة.
وبحسب مدني، تضطر الأسرة أحياناً إلى التخلص من مخزون الأنسولين بعد تعرضه للحرارة نتيجة انقطاع الكهرباء، بينما يدفع ارتفاع درجات الحرارة أفراد الأسرة إلى النوم في فناء المنزل هرباً من الغرف الساخنة.
وتواجه بعض الصيدليات المشكلة نفسها، إذ تعجز عن تحمل تكلفة أنظمة الطاقة البديلة بما يضمن التخزين الآمن للأدوية، فيما حذرت شبكة أطباء السودان من التداعيات الخطيرة لاستمرار انقطاع الكهرباء على المرضى داخل المستشفيات، ولا سيما من يحتاجون إلى خدمات طبية مستمرة.
وبحسب البنك الدولي، لا يحصل ما لا يقل عن 30% من سكان السودان على الكهرباء، وتتركز الفجوة بصورة أكبر في المناطق الريفية، بينما أصبحت حتى المدن المرتبطة بالشبكة تواجه ساعات طويلة من الانقطاع.
ورغم الأزمة، يمتلك السودان إمكانات كبيرة لإنتاج الطاقة الشمسية، مع تجاوز فترات سطوع الشمس أربعة آلاف ساعة سنوياً في مناطق عديدة، وفق بيانات أممية، ما يجعل الطاقة الشمسية أحد أبرز البدائل الممكنة لمعالجة جزء من فجوة الكهرباء.
غير أن ارتفاع أسعار المعدات المستوردة وتدهور قيمة العملة يضعان مفارقة قاسية أمام السودانيين: بلد يمتلك وفرة هائلة من الشمس، بينما يعجز ملايين من سكانه عن تحمل تكلفة تحويلها إلى كهرباء.
