خالد أبو أحمد: هل لعبت مناهج الإسلامويين بإعداداتهم العقلية والوجدانية فأصبحوا مسخاً مشوَّهاً‎‎؟!

49
خالد ابو احمد

خالد أبو أحمد

يقف المرء حائراً مذهولاً، وهو يستعيد في ذاكرته ثلاثة عقود متتالية من المشاهد المتناقضة والمواقف الصارخة التي أنتجتها الحركة الإسلاموية في ‏السودان، حيرةٌ ليست من باب الجهل بحقيقتهم، بل من باب الاستغراب العميق كيف يجتمع في شخصية واحدة كل هذا التضاد؛ فمن يتشدق بالإسلام ‏صباح مساء، ويرفع راية الدين في كل محفل، هو نفسه من أشعل نيران الحروب، وأذاق الشعوب ويلات الخراب والدمار، ومارس القسوة بلا وازع، ‏ونقض العهود بلا خجل، وجعل من الكذب أداةً للبقاء والهيمنة‎.‎

فمن أين جاء هذا الخطل والشطط؟ وهل كانت المناهج الفكرية لهذه الحركة هي المحرك الأساسي لهذا التشوّه العقلي والوجداني العميق؟.‏

وإن أردتَ أن تُجسِّد هذا التشوّه في صورة حيّة ماثلة أمامك، فانظر إلى ظاهرة العميد الطبيب طارق الهادي كجاب، الذي جمع في مشهد واحد ما لا ‏يجتمع إلا في شخصية أصابها الخلل العميق؛ سماعة الطبيب التي تستمع لنبض الحياة، وبذلة العسكري التي تُهيئ للموت، فلم يكتفِ بهذا التناقض ‏الصارخ في هيئته، حتى ذهب أبعد من ذلك، فنادى بصوت عالٍ أن تمد إيران يدها لتضرب دول الخليج، تلك الدول التي آوت السوداني حين أذاقه هو ‏وأمثاله الجوع والتشريد‎.‎

فأيُّ طب هذا الذي يتعلم صاحبه إنقاذ الأرواح ثم يستحلّ إزهاقها بفتوى سياسية؟ وأيُّ عقيدة تلك التي تجعل من الطبيب قنبلة موقوتة موجَّهة نحو ‏الأبرياء؟

هنا لا يبقى أمامنا تفسير سياسي أو أيديولوجي وحسب، بل نحن أمام حالة سريرية بامتياز، حالة يعجز فيها المريض عن رؤية تناقضاته، لأن المناهج ‏التي شكّلته أحكمت إغلاق نوافذ النقد الذاتي من الداخل، وأبقت مفتاحها في يد من لديه الأمر.‏

ثم يأتي التناقض الثاني ليُضاعف المشهد إيلاماً، فالبذلة العسكرية التي يرتديها ليست مجرد قماش وأزرار، بل هي رمز راسخ لمنظومة قيم صارمة ‏قوامها الانضباط والولاء والشرف، وهي لغة صامتة تقول لمن يراها أن صاحبها تنازل عن هواه لصالح المؤسسة، وذاب فرده في كيانها الجمعي. ‏غير أن العميد الطبيب أبى إلا أن يُحوِّل هذا الرمز النبيل إلى ورقة في لعبة السياسة، فوظَّف شارات الجندية في معارك الحزب، واستعار هيبة العسكر ‏ليُضخِّم صوته في الصراع الأيديولوجي، غير عابئ بأن شرف الجندية لا يُستعار ولا يُباع‎.‎

وهذا السلوك الشائن لم يُسئ إليه وحده، بل طعن في صميم مؤسستنا العسكرية التي كانت حصناً جامعاً لكل أهل السودان فوق والأيديولوجيات تمثل ‏ركنا ركينا في وحدتنا الوطنية، فكان بذلك مزدوج الخيانة؛ خيانة الطب وخيانة الجندية في آنٍ واحد، وكلتاهما مهنة لا تقبل النفاق ولا تسامح على ‏الازدواجية.‏

وإن كان العميد الطبيب نموذجاً للتشوّه الظاهر المكشوف، فإن علي عثمان محمد طه يمثل النموذج الأخطر والأعمق، ذلك التشوّه الذي أُحكم تغليفه ‏بعباءة الورع والزعامة الروحية، حتى أوهم أتباعه عقوداً طويلة أنه (شيخٍ) جمع بين السياسة والدين، بين القيادة والتقوى، فإذا بهم حين انكشف الغطاء ‏أمام صخرة الحقيقة الموثقة، أمام رجلٍ أمضى عمره كله في الفساد وإفساد الأجيال المتعاقبة التي مرّت على حركتهم منذ بروزه في المشهد مطلع ‏السبعينات‎.‎

ما كشفته السيدة تراجي مصطفى من معلومات موثقة، ومن قبلها (قناة العربية) وأحاديث د. حسن الترابي لـ(قناة الجزيرة)، القنوات الفضائية حين ‏فتحت ملفات تنظيم (الحركة الإسلامية)، لم يكن مفاجأة للمراقبين، لكنه كان صاعقةً لمن بنوا حول هذا الرجل هالةً من القداسة الزائفة، إذ وقفوا ‏مذهولين أمام رجلٍ يُقرّ بكل برودٍ مُثلج أنهم في يومٍ واحد أعدموا ثمانية وعشرين ضابطاً، قالها دون أن يرتجف له جفن، ودون أن تعتريه لحظة تأمل ‏أو وخزة ضمير، كأنه يتحدث عن أمر لا يستحق أكثر من جملة عابرة في حديث عادي‎.‎

وبعد الفشل الذريع لمحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا، لم يكن همّه احتواء التداعيات أو مراجعة ما جرى، بل كان ‏همّه الأول إسدال الصمت الأبدي على كل من عَلِم أو شارك، فكانت التصفيات، ومن بينها ما تجاوز حد الجريمة إلى حد الوحشية المجردة؛ حين أُعدم ‏الشخص الذي كُلف من (رئيس الجمهورية) للتحقيق في عملية الاغتيال والجهات التي مولتها، فكانت تصفية الرجل أمام زوجته وابنته الرضيعة..!.‏

وحين اندلعت ثورة ديسمبر المجيدة، لم يجد في جعبته غير لغة التهديد والوعيد، فأطلق تحذيراته للثوار بالويل والثبور، ونفّذ ما وعد، فكانت كتائب ‏الظل التي تحدث عنها بلسانه شريكةً في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، تلك الجريمة التي لا يمكن أن يطالها نسيان أو تقادم، فهذا هو المسخ ‏المشوّه في أبهى صوره، ليس ذلك الذي يجاهر بالشر فيُعرف ويُحذر، بل ذلك الذي يُتقن ارتداء قناع الصلاح حتى يخدع المقربين قبل البعيدين، ولا ‏يخلع القناع إلا حين لا يجد ما يخسره‎.‎

 

لعل أبلغ دليل على عمق التشوّه الذي أحدثته الحركة الإسلاموية في عقول عضويتها والمتعاطفين معها، ما يتجلى كل يوم على الملأ في وسائل ‏التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية وصفحات الفيسبوك، حيث تُطالعك تلك العضوية المسكينة التي يرثى لحالها، وهي تنكر بقوة واستماتة ‏عجيبتين كل الدمار الذي ألحقته حركتهم بالسودان؛ من تبديد للموارد الاقتصادية، ونهب للشركات الإنتاجية، وسرقة للمال العام، وهي معالم واضحة ‏كوضوح الشمس في كبد السماء، لا يملك عاقلٌ منصف أن يجادل فيها، وهذا وحده كافٍ ليؤكد أن الحركة قد عبثت بإعداداتهم العقلية والذهنية عبثاً ‏منهجياً ممنهجاً، حتى غدوا عاجزين عن رؤية أربعة عقود من الخراب المتراكم، بل ويرون فيها مسيرةً مضيئة لا تشوبها شائبة‎.‎

وليس هذا وحده، بل إن مناهج الحركة الإسلاموية قد ذهبت أبعد من العقل لتلعب في الإعدادات الوجدانية والعاطفية والإنسانية ذاتها، وهو ما يبدو جلياً ‏حين ترى هؤلاء يُنكرون بكل ثقة واطمئنان أن تنظيمهم قد مارس الإبادة الجماعية في دارفور، ويرفضون رفضاً قاطعاً أي حديث عن العنصرية ‏والقبلية وإشعال الحروب، وتصفية المعارضين، وما جرى في غياهب السجون والمعتقلات من تعذيب واغتصاب، بل يردون كل اتهام بالقول إن ‏أصحابه أعداء للوطن ومتآمرون وعملاء..!‏

والأعجب من ذلك كله أن أحداً منهم لا يجول في خاطره ولو للحظة عابرة أن حركتهم ربما أخطأت، أو ربما ارتكبت ما يجعلها متهمة أمام الضمير ‏الإنساني قبل أن تكون متهمة أمام القانون، فهذا هو التشوّه في أخطر صوره، حين لا يعود الإنسان قادراً على المساءلة الداخلية، ويفقد تلك البوصلة ‏الفطرية التي وهبها الله لكل إنسان ليُفرّق بها بين ما يُعتز به وما يُستحيا منه‎.‎

ثمة ما هو أشد وطأةً على النفس من كل ما سبق، وهو ذلك الصمت المريب، بل تلك البرودة المطبقة التي يُواجه بها المتعاطفون مع الحركة الإسلاموية ‏كل حديث عن الضحايا، فطيلة عقود من الحروب والدمار، لم يصدر عنهم تجاه ضحايا دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق ومنطقة أمري بالولاية ‏الشمالية، وحي العرب في بورتسودان، ما يُشير ولو من بعيد إلى نبضة إنسانية واحدة، لم تُرَ منهم دمعة على طفل يتيم، ولا كلمة رثاء لأسرة مُمزَّقة، ‏ولا وقفة تأمل أمام أرواح أُزهقت بدم بارد وبلا رادع‎.‎

وهؤلاء الضحايا ليسوا غرباء ولا أعداء، بل هم أبناء الوطن الواحد من لحم هذه الأرض ودمها، غير أن منهاج الحركة قد أفلح في شيء بالغ الخطورة، ‏وهو استئصال الإحساس بالإنسانية المشتركة من وجدان عضويتها، فأصبح الضحية في نظرهم لا يستحق التعاطف ما لم يكن منهم وعلى رأيهم ‏وفكرهم، بل ذهبوا أبعد من ذلك حين باتوا لا يرون غضاضةً فيما تمارسه أجهزتهم الأمنية والعسكرية من قتل ممنهج وتصفيات جسدية بحق كل من ‏يخالفهم الرأي أو يقف في وجه مشروعهم‎.‎

وهنا بالذات يكتمل المشهد ويتضح التشخيص، فنحن لسنا أمام أناس أخطأوا أو انزلقوا، بل أمام عضوية جرى تفريغها من إنسانيتها بصورة منهجية ‏وبطيئة وصامتة، حتى غدا القتل في عيونهم سياسةً مشروعة، والضحية مجرد خصمٍ يستحق ما نزل به، وهذا وحده يكفي ليجيب عن السؤال الكبير ‏الذي يطرحه هذا المقال‎.‎

 

مساء الخميس 26 مارس 2026م

What do you feel about this?