مهدي عبدالله حامد: الشهيد “أسامة حسن حسين” رحيل الجسد وخلود الموقف والفكرة

52
مهدي عبدالله حامد

مهدي عبدالله حامد

تتعثر الكلمات في حضرة الموت الغادر، لا سيما حين يكون القاتل عقيدة عمياء، والضحية رمزًا نبيلاً لم يطالب بغير الحياة والعدالة، ففي اللحظة التي كانت فيها البلاد تئن تحت وطأة الرصاص، وتبحث عن نافذة ضوء وسط عتمة الموت، امتدت يد الغدر، لا لتصيب ثكنة عسكرية أو مقاتلاً مسلحًا، بل لتستهدف قلباً كان ينبض بحب هذا التراب، وعقلاً لم يؤمن يومًا إلا بمدنية الدولة وحرمة الدم، إنها لحظة تعرٍّ كاملة لهذا الكيان الإرهابي، الذي أثبت بصاروخه الموجه نحو مدني أعزل أن حِقده ليس سياسيًا فحسب، بل هو حقد وجودي ضد كل من يجرؤ على الحلم بسودان خالٍ من وصاية البندقية وتطرف الأيديولوجيا،

فإنَّ استشهاد الأستاذ “أسامة حسن حسين” ليس مجرد رقم ينضم لقوافل الأكرم منا جميعا، بل هي طعنة في خاصرة الوعي السوداني، وإعلان صريح عن إفلاس أخلاقي وسياسي لمجرمي الإرهاب، فلقد اسشتهد في منزله، بين جدران كانت تشهد على صياغة مواقف السلام وخطط العدالة الاجتماعية، قصفتهُ “مسيرة” الحقد الأعمى، المحملة بضغينة سنين من الاستبداد، لتقطف روح رجل لم يحمل سلاحًا قط، بل حمل رؤية، لم يقود فيلقًا من الجنود، بل قاد تحالفًا من القيم، إنها لحظة تعرت فيها مليشيا الحركة الإسلامية تماماً، فأسفرت عن وجهها القبيح الذي لا يتقن سوى لغة الإبادة، ولا يحتمل رؤية سياسي مدني يقف شامخًا وسط الركام لينادي بوقف نزيف الدم، رحل أسامة وترك خلفهُ دماءً ستظل تلاحق القتلة في يقظتهم ومنامهم، وتؤكد أن السلام الذي كان ينشدهُ هو الخطر الأكبر على من لا يعيشون إلا في برك دماء الأبرياء العُزل.

إن عملية اغتيال الأستاذ أسامة حسن حسين، رئيس حزب التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية، لم تكن “خطأ تقنيًا” أو “صاروخ طائش” بل هي فعل استراتيجي مدروس بعناية ودقة، “تصفية جسدية” لخصم سياسي في عقر داره من يد آثمة ضغطت على زر القتل عن قصد باستهداف مباشر، تُدرك الحركة الإسلامية وأذرعها العسكرية أن أكبر تهديد لمشروعهما السلطوي ليس حملة السلاح، بل هم السياسيون المدنيون الذين يملكون القدرة على بناء “كتلة حرجة” تدعو للسلام وتؤسس للعدالة الاجتماعية، وباستهدافه، أرادت المليشيا الإرهابية إرسال رسالة ترهيب لكل صوت مدني “إما الاصطفاف خلف آلة الحرب، أو الموت بدم بارد” إنهم يغتالون “البدائل” ليفرضوا على الشعب السوداني ثنائية العدم إما حكم العسكر أو الفوضى الشاملة، ولكن هيهات فالوحش يقتل ثائر والأرض تنبت ألف ثائر.

فقد رحل أسامة، مخلفاً وراءه دماءً ترسم خارطة طريق لفضح القتلة الذين ظنوا أن السماء ستكون ستارًا لغدرهم، فإذا بها تصبح الشاهد الأول على انحطاطهم الأخلاقي،  فدماء أسامة تحولت اليوم إلى وقود لآلاف الأحرار، وصورته وهو شامخ في منزله قبل الغدر ستبقى أيقونة للثورة المدنية التي لا تقهر، سيبقى أسامة حسن حسين حيا في ضمير الشعب، وسيرحل القتلة إلى مزبلة التاريخ، تلاحقهم لعنات الأرواح البريئة ودعوات المظلومين.

قانونيًا، يصنف هذا الهجوم كجريمة حرب مكتملة الأركان وجريمة ضد الإنسانية لاستهداف منزل مدني، لشخصية سياسية لا تشارك في الأعمال العدائية، وهو انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها، كما إن استخدام الطائرات المسيرة في عمليات اغتيال سياسي “مع سبق الإصرار والترصد” تضع قادة هذه المليشيا تحت طائلة الملاحقة الدولية، فهذه الجريمة توثق نهج “الإعدام الميداني من الجو” وهو سلوك عصابات إرهابية لا سلوك مؤسسات تدعي حماية الدولة، مما يستوجب تحركًا عاجلاً من المنظمات الحقوقية لتدويل هذه القضية ومحاكمة الجناة، فقد كشفت هذه الجريمة عن “العورة” الفكرية للحركة الإسلامية جراء هذا الحقد الدفين الذي استهدف أسامة حسن حسين في منزله، مما يعكس حالة من الرعب والذعر لدى هؤلاء القتلة من فكرة “العدالة الاجتماعية” وكما إنهم يخشون الإنسان الذي يبشر بالمساواة، ويخافون السياسي الذي يتحدث عن حقوق المهمشين، لأن مشروعهم قائم على الامتيازات والنهب والتمكين، وبرحيل أسامة، سقط القناع الأخير، فظهرت هذه المليشيا ككيان إرهابي يتغذى على الكراهية ويقتات على تصفية الخصوم.

رحل أسامة حسن حسين جسدا، لكنه انزرع في تراب هذا الوطن فكرةً لا تقبل الانكسار، إن دمه الطاهر الذي سال في محراب المدنية هو الميثاق الغليظ الذي يربطنا بعهد “السودان الجديد” سيبقى اسم الشهيد أسامة منارةً تلهم الأجيال، وقصة بطولة تُروى عن رجل وقف في وجه العاصفة مناديا بالسلام حتى أتاه الغدر من سماءٍ خذلها حراسها

إن الوفاء لروح الشهيد ليس في النحيب، بل في إكمال مشواره بفرض معادلات سياسية جديدة تقتلع جذور الاختلال التاريخي، وتؤسس لدولة المواطنة التي لا مكان فيها لمليشيات الإيدولوجيا والإرهاب

يا أسامة، نُم قرير العين، فدماؤك أمانة في أعناقنا، وقصاصنا  سيكون ببناء السودان الذي استشهدت من أجله؛ سودان الحرية، العدالة، والسلام. تاريخك هو مصدر إلهامنا، وروحك هي وقود ثورتنا المستمرة حتى هزيمة مشاريع الظلام.. المجد والخلود لك، والخزي والعار لقتلة المدنيين

 

إنا لله وإنا إليه راجعون

What do you feel about this?