مهندس عمار سعيد: الجاليات في مواجهة الظل الدبلوماسي: اتهامات تلاحق بعض البعثات السودانية بالخارج

1
amar

مهندس عمار سعيد

ولا يمكن فهم جانب من هذه المخاوف التي تتداولها بعض الجاليات السودانية دون العودة إلى الإرث السياسي والأمني الذي طبع الحياة العامة في السودان خلال العقود الماضية. فالكثير من المراقبين يرون أن الحركة الإسلامية السودانية، التي هيمنت على السلطة لثلاثة عقود، أسست لنمط من العمل السياسي ارتبط بدرجات عالية من الاستقطاب والصراع، كما شهدت تلك الفترة اتهامات متكررة باستخدام أدوات الدولة الأمنية لملاحقة الخصوم السياسيين ومراقبة أنشطتهم داخل البلاد وخارجها.

ويشير باحثون ومتابعون للشأن السوداني إلى أن هذه المقاربة الأمنية لم تقتصر على المؤسسات الداخلية فحسب، بل امتدت – وفقاً لعدد من الدراسات والتقارير السياسية – إلى بعض مفاصل العمل الخارجي والدبلوماسي، حيث تزايد حضور الخلفيات الأمنية والحزبية في بعض البعثات الخارجية على حساب الأدوار الدبلوماسية التقليدية المرتبطة بخدمة المواطنين وتعزيز العلاقات بين الدول.

وقد ارتبطت تلك المرحلة كذلك بعدد من القضايا والجدل الدولي المتعلق باستخدام جوازات السفر الدبلوماسية أو الامتيازات الرسمية في سياقات أثارت انتقادات واسعة آنذاك، كما شهدت فترات مختلفة اتهامات بمنح تسهيلات أو وثائق سفر لشخصيات مرتبطة بحركات إسلامية من خارج السودان، وهي ملفات ظلت محل نقاش سياسي وإعلامي واسع داخل السودان وخارجه.

ورغم أن الظروف السياسية الحالية تختلف عن تلك التي سادت خلال سنوات حكم الإنقاذ، إلا أن كثيراً من النشطاء السودانيين في المهجر يرون أن بعض الممارسات التي يشكون منها اليوم تعكس استمراراً لثقافة أمنية قديمة اعتادت النظر إلى النشاط السياسي المعارض باعتباره تهديداً أمنياً أكثر من كونه حقاً مشروعاً تكفله القوانين والمواثيق الدولية.

ومن هذا المنطلق، تبرز المخاوف من أن تتحول بعض البعثات الدبلوماسية إلى أدوات للتأثير في النشاط العام للجاليات السودانية أو مراقبة تحركاتها، بدلاً من التركيز على أدوارها الأساسية في تقديم الخدمات القنصلية وحماية مصالح المواطنين السودانيين في الخارج.

إن مستقبل العلاقة بين الجاليات السودانية والبعثات الدبلوماسية سيتوقف إلى حد كبير على قدرة المؤسسات الرسمية على إعادة بناء الثقة مع مواطنيها في الخارج، عبر الالتزام الصارم بالحياد المهني واحترام التعدد السياسي والفكري داخل المجتمع السوداني، والابتعاد عن أي ممارسات قد تعزز الانطباع بأن العمل الدبلوماسي ما زال خاضعاً لاعتبارات أمنية أو حزبية.

فالسفارة الناجحة ليست تلك التي تراقب مواطنيها، بل تلك التي تحميهم وتدافع عن مصالحهم وتبقى على مسافة واحدة من جميع السودانيين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو مواقفهم من أطراف الصراع

What do you feel about this?