صباح محمد الحسن (اطياف): خدعة الحوار
صباح محمد الحسن
طيف أول:
متى طالت ظلمتك سينطلق حمامك ليراقص أغصانه على نغم الأغنيات الريفية،
ويهتف هذا الشعب ويعانق حلمه سلاماً.
وأمس الأول، وفي اجتماع المجلس الانقلابي برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان، تمت مناقشة الترتيبات والخطوات لانعقاد الحوار “السوداني–السوداني” ، الذي قالوا إنه يهدف إلى الخروج برؤية وطنية جامعة وموحدة لمعالجة الأزمة السياسية والأمنية الماثلة، والعبور بالبلاد إلى بر الأمان.
ولا أدري لماذا يرى البرهان أن الحوار السوداني هو الذي يساهم في حل الأزمة، أو بالأحرى: ما هي أزمة السودان الآن أليست هي الحرب؟
فكيف يمكن لحوار أن ينجح أو ينتج حلولاً حقيقية ما لم يتخذ البرهان قراراً بوقف الحرب أولاً؟
فالحرب تُفقد الأطراف السياسية القدرة على الحوار، وتخلق واقعاً عسكرياً يفرض نفسه على أي مسار سياسي بالداخل.
والحوار يحتاج إلى مشاركة سياسية واسعة، وهذا أول ما تصطدم به دعوة البرهان.
وكيف، وفي ظل المدن التي تسقط والمجازر التي تقع، يمكن صياغة اتفاق سياسي بينما الواقع يتغير كل 24 ساعة!!
لقد خلقت الحرب العديد من الأزمات: أزمة النزوح، وأزمة الجوع، والمواطن حياته مهددة بالخطر، ويعاني أن يعيش بلا خدمات وبلا دولة.
ولا يمكن أن تُبنى الحلول السياسية فوق صوت المدافع.
وأي حديث عن “حوار سوداني–سوداني” بلسان البرهان قبل وقف الحرب هو قفز فوق المأساة وليس معالجة لها.
فكيف لطرف يقود حرباً مفتوحة أن يدعو لحوار وطني، إلا إذا كان يبحث فقط عن شرعية، لا عن حل.
فالحل يبدأ بوقف الحرب، أما البحث عن الشرعية فدائماً ما يبدأ بالدعوة للحوار.
فالبشير عندما انتهت ولايته فعلياً، وفقد شرعيته السياسية والدستورية، لجأ إلى شعار “الحوار السوداني–السوداني” ليعيد إنتاج نفسه في السلطة.
كان يعاني عزلة دولية ورفضاً داخلياً، ويشاهد اقتصاداً ينهار يوماً بعد يوم.
والآن يعيد البرهان ذات التكتيك، في ظرف أشد تعقيداً ودموية، فهو يخوض حرباً فقد فيها السيطرة، ويعاني عزلة دولية وشرعية معدومة، وانقساماً داخل المؤسسة العسكرية، وضغطاً إقليمياً ودولياً للجلوس إلى التفاوض.
وتكرار التاريخ يؤكد أن الأنظمة العسكرية عندما تضعف لا تلجأ إلى الإصلاح، ولا إلى وقف الحروب، ولا إلى تسليم السلطة، بل تلجأ إلى خطاب الحوار كأداة سياسية، وليس كقناعة، وذلك فقط بهدف البحث عن غطاء سياسي، ووسيلة لكسب الوقت، ومحاولة لإعادة ترتيب المشهد لصالح السلطة.
إذن هو ليس طريقاً لإنهاء الحرب أو معالجة جذور الأزمة كما يقول.
ولا أدري لماذا يسميها البرهان “أزمة”؟
لماذا لا يقول: ندعو إلى حوار سوداني لوقف الحرب؟
لأنه لا يريد الاعتراف بأن ما يجري حرب يتحمل مسؤوليتها، ولأن كلمة “أزمة” تمنحه مساحة سياسية للمناورة، بينما عبارة “وقف الحرب” تلزمه بخطوات لا يريد اتخاذها.
فالجنرال عندما يقول “حوار لمعالجة الأزمة” فهذا يعني أنه يفتح الباب لحوار بلا وقف نار، وحوار بلا ضمانات، وبلا تنازلات.
وهذا ما يؤكد أن همه الأول هو حوار يمنحه شرعية جديدة.
بينما عبارة “حوار لوقف الحرب” تُلزمه بخطوات محددة مثل وقف إطلاق النار، والعمل على تنفيذ خطة انسحاب القوات من المدن، والالتزام بفتح ممرات إنسانية، وقبول رقابة دولية.
وهو لا يريد ذلك.لذلك فإن دعوته للحوار السوداني هي استغلال لمعاناة الشعب وأوجاعه.
فالرجل يختار لغة لا تُدين أحداً، ومصطلحات تسمح له بالاستمرار في الحرب.
وأكثر ما يدهشك أن البرهان، بعد كل الذي فعله، ما زال يقدم نفسه كمنقذ لا كطرف في الصراع.
فعندما يسمي الحرب “أزمة”، فهو لا يصف الواقع بل يهرب منه.
فالأزمة تُدار، أما الحرب تُوقف.
وبين إدارة الأزمة ووقف الحرب مسافة سياسية يعرفها البرهان جيداً، ويعرف أن عبورها يعني التخلي عن أدوات القوة التي يستند إليها.
فمع من يريد البرهان أن يتحاور؟
فهو يدعو لحوار يعرف مسبقاً أن القوى المدنية الرافضة للحرب لن تشارك فيه، وأن القوى المؤيدة له ليست بحاجة للحوار لأنها جزء من معركته.
وهذا ما يؤكد أن الحوار ليس لإيجاد حل، بل لإيجاد شرعية في لحظة فقد فيها كل مصادر الشرعية الأخرى.
لذلك يبدو المصطلح أكبر خدعة سياسية إذا قيس بالواقع لا بالخطاب.
فالحوار الذي لا يوقف الحرب ولا يجمع أطرافها ليس حواراً لوقف الحرب، بل محاولة لإعادة إنتاج الشرعية .
طيف أخير:
#لا_للحرب
وتستمر الانشقاقات من قوات الدعم السريع ضمن الخطة الإقليمية لتفكيك القوات من الخارج، ولكن تمدد الدعم السريع في دارفور وكردفان يؤكد أن خطره لا يضعفه انسلاخ الشخصيات التي لا تمثل خصماً أو إضافة على المعاركلا يضعفه انسلاخ الشخصيات التي لا تمثل خصماً أو إضافة على المعارك.
