سيناريوهات مفتوحة: توتر متصاعد بين الجيش والقوات المشتركة في السودان

8
mmo

وكالات – بلو نيوز

في لحظة تتسع فيها رقعة المعارك وتتزايد فيها أهمية جبهة كردفان في حسابات الحرب السودانية، تبدو الخلافات المتصاعدة بين الجيش والقوات المشتركة أكثر من مجرد تباينات عابرة، إذ تكشف عن هشاشة تحالف عسكري تشكل تحت ضغط الضرورة، وتحيط به مخاوف من أن يتحول إلى صراع جديد داخل الحرب نفسها، في بلد تصفه الأمم المتحدة بأنه يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم منذ أبريل 2023.

فمنذ انخراطها في القتال إلى جانب الجيش، تحولت القوات المشتركة إلى قوة مؤثرة داخل التحالف المناهض لقوات الدعم السريع، مستندة إلى ثقل عسكري وسياسي اكتسبته من مشاركتها في اتفاق جوبا للسلام ومن امتدادها الاجتماعي في دارفور. غير أن هذا الثقل بات اليوم جزءاً من معادلة معقدة، إذ تتكشف مؤشرات على اتساع الهوة بينها وبين الجيش بشأن أولويات الانتشار العسكري ومسارات العمليات المقبلة.

وتشير مصادر متطابقة إلى أن بداية التصدع ظهرت عقب طرح ترتيبات عسكرية تقضي بإعادة تموضع القوات المشتركة خارج الخرطوم باتجاه الأبيض، في محاولة لتخفيف الضغط الذي تفرضه قوات الدعم السريع على المدينة. لكن قيادات داخل المشتركة أبدت تحفظات واضحة، معتبرة أن الانتقال إلى جبهة كردفان في الظروف الحالية قد يضعها في بيئة عمليات تمنح خصمها أفضلية ميدانية، نظراً لطبيعة الأرض وخبرة الدعم السريع القتالية في المناطق المفتوحة.

ويعود جوهر الخلاف، وفق مصادر مطلعة، إلى اختلاف في تقدير الأولويات العسكرية. فبينما يميل الجيش إلى توسيع نطاق العمليات وفتح مسارات ضغط جديدة، تفضل القوات المشتركة الإبقاء على انتشارها الحالي في محيط العاصمة، حيث ترى أنها تعمل في بيئة أقل تعقيداً. كما تخشى أن يؤدي الدفع بها إلى كردفان إلى استنزاف بشري وعسكري يهدد تماسكها، خصوصاً في ظل تراجع اهتمام الجيش بجبهات دارفور بعد استعادته السيطرة على أجزاء واسعة من الخرطوم والجزيرة.

ولا تقتصر مظاهر التوتر على الخلافات النظرية، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة سلسلة من الحوادث الأمنية التي عكست هشاشة العلاقة بين بعض التشكيلات المسلحة المتحالفة مع الجيش. ففي كوستي، قُتل مساعد شرطة وأصيب رقيب إثر هجوم على قسم شرطة نفذته مجموعة تابعة للقوات المشتركة، بينما شهدت بورتسودان اشتباكات مماثلة بين قوة من إحدى الحركات المسلحة وقوة أمنية عسكرية. كما وقعت حوادث أخرى في الولاية الشمالية ومنطقة الروات بالنيل الأبيض، قبل أن تتدخل قيادات عسكرية لاحتواء التوتر.

وتستند مخاوف القوات المشتركة إلى تقديرات تفيد بأن قوات الدعم السريع ما تزال تحتفظ بقدرات قتالية معتبرة في كردفان، لا سيما في المناطق المحيطة بالأبيض، ما يجعل أي انتشار واسع هناك محفوفاً بمخاطر الاستنزاف الطويل. في المقابل، ترى قيادة الجيش أن معركة الأبيض قد تكون حاسمة في تحديد اتجاه الحرب، نظراً لموقع المدينة الاستراتيجي ودورها الحيوي في الربط بين وسط السودان وغربه.

ويعيد هذا التباين إلى الأذهان الخلافات التي سبقت اندلاع حرب 15 أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع حول ترتيبات الانتشار وإعادة الهيكلة، قبل أن تتحول إلى مواجهة شاملة غيّرت المشهد السوداني. ورغم اختلاف طبيعة العلاقة الحالية، فإن استمرار الخلافات دون رؤية مشتركة يثير مخاوف من انتقالها إلى مستويات أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل اعتماد الجيش المتزايد على الطائرات المسيّرة لتعويض النقص في الكوادر والقدرات البرية.

وتزداد هذه المخاوف مع تصاعد الدعوات داخل بعض الأوساط المؤيدة للجيش لإعادة النظر في اتفاق جوبا للسلام، الذي يمثل الإطار القانوني لمشاركة عدد من الحركات المسلحة في التحالف العسكري. وتصف أوساط سياسية هذا التحالف بأنه “تحالف ضرورة” فرضته ظروف الحرب أكثر من كونه شراكة استراتيجية مستقرة، ما يجعل احتمالات التصدع والانقسام أمراً وارداً كلما اقتربت الحرب من مراحلها الحاسمة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى السيناريوهات مفتوحة. فنجاح الوساطات السياسية والعسكرية قد يخفف من حدة التوتر، لكن استمرار الضغوط الميدانية وتراكم عوامل عدم الثقة قد يدفع الخلافات إلى مستويات تهدد تماسك التحالف نفسه. ويرى خبراء أن مستقبل العلاقة بين الجيش والقوات المشتركة سيتأثر بصورة مباشرة بمآلات معركة الأبيض، وأن أي اختراق كبير لصالح الدعم السريع قد يضاعف الضغوط على التحالف، وربما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل خريطة النفوذ العسكري والسياسي في السودان.

وفي بلد أنهكته الحرب للعام الرابع على التوالي، تبدو قدرة الجيش على الحفاظ على تماسك تحالفه العسكري مهمة بالغة الصعوبة، في ظل التباينات المتزايدة بين مكوناته. ومع غياب رؤية موحدة لما بعد الحرب، يخشى محللون أن يتحول الصراع الداخلي داخل التحالف إلى معركة جديدة، قد تكون أكثر تعقيداً من الحرب الدائرة نفسها، لأنها ستحدد من يملك النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري في السودان خلال السنوات المقبلة.

What do you feel about this?