الإسلاميون والدولة العميقة يربكان مسار التسوية .. جدل سوداني حول شروط المشاركة ومخاطر عودة النفوذ القديم

1
isla

يتصاعد الجدل في السودان حول موقع الإسلاميين وشبكات الدولة العميقة في أي تسوية سياسية محتملة، وسط تحذيرات من أن إدماج القوى القديمة دون إصلاح مؤسسات الدولة قد يعيد إنتاج الأزمة، مقابل دعوات لعملية سياسية تقوم على العدالة الانتقالية والمساءلة وقواعد مشاركة واضحة.

وكالات: بلو نيوز

يتواصل الجدل السياسي في السودان حول موقع التيار الإسلامي وشبكات الدولة العميقة في أي تسوية محتملة، وسط تصاعد النقاش المحلي والدولي بشأن ترتيبات ما بعد الحرب، وشروط بناء انتقال سياسي قادر على معالجة جذور الأزمة لا الاكتفاء بإنتاج تسويات مؤقتة بين القوى المتصارعة.

وتشير تقديرات سياسية ودبلوماسية إلى أن النقاش لم يعد محصوراً في سؤال الإقصاء أو المشاركة، بل بات مرتبطاً بطبيعة الدولة نفسها، ومدى قدرة أي اتفاق سياسي على تفكيك نفوذ مؤسساتي تراكم لعقود داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية والبيروقراطية، وظل يؤثر في مسارات الحكم والانتقال.

ويرى قياديون في تحالف القوى المدنية الديمقراطية أن المقارنة مع تجارب دولية، مثل تجربة جنوب أفريقيا، لا تعكس بالضرورة تعقيدات الحالة السودانية. ويقول القيادي بابكر فيصل إن نجاح الانتقال في جنوب أفريقيا ارتبط بتفكيك منظومة الامتيازات التي حكمت الدولة، وليس بمجرد إشراك الأطراف المتنافسة في العملية السياسية.

ويعتبر فيصل أن التجربة السودانية أقرب إلى نماذج ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث استمرت شبكات النفوذ القديمة في التأثير داخل مؤسسات الدولة رغم التغيير السياسي، الأمر الذي أدى لاحقاً إلى صدامات سياسية وقانونية، من بينها حل الحزب الشيوعي في أوكرانيا. ويشير إلى أن الحركة الإسلامية في السودان احتفظت بامتداد واسع داخل مؤسسات الدولة خلال سنوات حكمها، واستمرت في التأثير بعد سقوط نظامها، وصولاً إلى انقلاب أكتوبر 2021 ثم اندلاع حرب أبريل 2023.

وفي سياق متصل، يطرح خالد عمر يوسف، القيادي في تحالف “صمود”، تساؤلات حول الربط بين إنهاء الحرب وإشراك المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية في أي عملية سياسية. ويرى أن هذا الطرح يفترض ضمناً أن هذه القوى تمتلك قدرة مباشرة على وقف القتال، وهو ما يتعارض مع سرديات أخرى تربط الحرب بعوامل أوسع تتعلق ببنية السلطة ومسار الانتقال بعد ثورة ديسمبر 2018.

وبحسب ما أوردته جريدة “ديسمبر”، يشير خالد عمر إلى أن أي نقاش حول إعادة إدماج المؤتمر الوطني لا يمكن فصله عن مسؤولية النظام السابق في تعطيل الانتقال المدني، ولا عن الحاجة إلى وضع حدود واضحة بين المشاركة السياسية المشروعة وإعادة إنتاج منظومة الحكم التي سبقت الانقلاب.

وتذهب الصحفية والمحللة السياسية رشا عوض إلى أن جوهر الإشكال لا يتعلق بمبدأ المشاركة في حد ذاته، بل بالشروط التي تُبنى عليها العملية السياسية. وتقول إن الحركة الإسلامية لا يمكن التعامل معها كفاعل سياسي عادي دون النظر إلى مشروعها السابق وشبكات النفوذ التي ما تزال قائمة داخل مؤسسات الدولة.

وتؤكد عوض أن أي عملية سياسية جادة ينبغي أن ترتبط بإصلاحات أمنية وعسكرية، وتفكيك التمكين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ومحايدة، بما يمنع عودة مراكز النفوذ القديمة إلى التحكم في مسار الانتقال من داخل مؤسسات الدولة.

وفي المقابل، يقدم الباحث والمفكر الإسلامي المحبوب عبد السلام، وفقاً لما نشرته جريدة “ديسمبر”، مقاربة تدعو إلى عدم استبعاد أي تيار سياسي بصورة كاملة، مع إخضاع جميع القوى، بما فيها الحركة الإسلامية، لمراجعات فكرية وسياسية جادة.

ويرى عبد السلام أن التسويات المستقرة لا تقوم على الإقصاء المتبادل، بل على العدالة الانتقالية والتوافق الوطني ووضع قواعد جديدة للمنافسة السياسية. ويقر بأن تجربة الإسلاميين في الحكم شهدت إخفاقات واسعة، لكنه يعتبر أن معالجة الأزمة السودانية تتطلب تأسيس قواعد تضمن الديمقراطية والمساءلة ومنع احتكار مؤسسات الدولة.

ويؤكد محللون أن التجارب الدولية تكشف أن الانتقال السياسي يفشل عندما تبقى مراكز القوة القديمة داخل مؤسسات الدولة دون إصلاح، بينما تزداد فرص نجاحه عندما تقبل النخب السابقة بقواعد جديدة تحد من امتيازاتها، وتخضعها للمساءلة والمنافسة المتكافئة.

ويقول المحلل السياسي محمد تورشين إن التحدي في السودان لا يتعلق فقط بإدماج الإسلاميين أو إقصائهم، بل بقدرة الدولة على إعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمؤسسات العامة، وإنهاء حالة الاختراق السياسي للأجهزة السيادية والإدارية.

ويضيف تورشين أن الإقصاء الكامل قد يدفع بعض القوى إلى العمل خارج العملية السياسية، بينما يؤدي الإدماج غير المشروط إلى إعادة إنتاج موازين القوة القديمة، ما يجعل وضع قواعد واضحة للمشاركة السياسية شرطاً أساسياً لأي تسوية مستقرة. ويتجاوز الجدل حدود مشاركة الإسلاميين أو استبعادهم، ليصل إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة التي ستُمارس فيها السياسة بعد الحرب. فإما أن يقود المسار إلى نظام ديمقراطي يقوم على مؤسسات محايدة وقواعد متساوية، أو إلى تسوية مؤقتة تُبقي جذور الأزمة قائمة وتفتح الباب أمام جولات جديدة من الصراع.

What do you feel about this?