بين جنيف وكيغالي: الحوار السوداني يصطدم بسؤال الشرعية وفلول النظام السابق
انطلقت اجتماعات وتشاورات سياسية متزامنة في جنيف وكيغالي لإحياء مسار الحوار السوداني السوداني، لكنها كشفت في الوقت ذاته عمق الانقسامات حول الشرعية والتمثيل ومشاركة عناصر من النظام السابق، وسط تحديات متزايدة أمام بناء مسار سياسي موحد ينهي الحرب ويمهد لتسوية شاملة.
وكالات: بلو نيوز
في لحظة تتقاطع فيها الجهود الدولية مع الانقسامات العميقة داخل الساحة السودانية، انطلقت اجتماعات وتشاورات سياسية متزامنة في جنيف وكيغالي، في محاولة جديدة لإحياء مسار الحوار السوداني السوداني، وسط خلافات متصاعدة حول التمثيل والشرعية ومشاركة عناصر محسوبة على النظام السابق.
وتعكس الاجتماعات، رغم اختلاف طبيعتها وسياقاتها، حجم التعقيدات التي تحيط بأي محاولة لتوحيد الرؤى السياسية في السودان، في ظل حرب مدمرة تدخل عامها الرابع، وتعدد المبادرات الإقليمية والدولية، وتنافس القوى المدنية والسياسية والمسلحة على موقعها في أي ترتيبات مستقبلية لما بعد النزاع.
ففي جنيف، انطلقت جولة “نيون” التشاورية برعاية سويسرية، وبمشاركة ممثلين عن مجموعات سياسية سودانية، إلى جانب ممثلين عن الأمم المتحدة و”إيغاد” وعدد من الفاعلين الدوليين، في إطار مساعٍ لدعم الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام عملية سياسية جديدة.
وتستمر اجتماعات جنيف حتى 27 يونيو، حيث تناقش المبادرات المطروحة لإنهاء الأزمة السودانية، بما في ذلك جهود الآليتين الخماسية والرباعية، إضافة إلى العلاقة بين المسارين السياسي والعسكري، في محاولة لصياغة مقاربة متكاملة قد تفتح الباب أمام تسوية شاملة تعيد للسودانيين الأمل في وقف الحرب واستعادة الحكم المدني.
غير أن المشهد بدا أكثر تعقيداً في كيغالي، حيث دعت مؤسسة “بيرغوف” الألمانية إلى اجتماع ثانٍ للقوى السياسية والمدنية، إلا أن اللقاء واجه انسحابات واعتذارات من عدد من المشاركين، احتجاجاً على ما وصفوه بمشاركة عناصر مرتبطة بالنظام السابق حتى لحظة سقوطه.
وشهد اجتماع كيغالي مشاركة قوى سياسية ومدنية بارزة، من بينها تحالف “صمود”، والكتلة الديمقراطية، والحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، غير أن غياب أطراف أخرى واعتراضات بعض المشاركين ألقى بظلاله على النقاشات، وكشف حساسية ملف التمثيل السياسي في ظل ذاكرة الحرب والانقسامات التي خلفتها سنوات الحكم السابق.
ورغم وصول ممثل حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور إلى كيغالي، فإنه رفض المشاركة في الاجتماع اعتراضاً على وجود من وصفهم بـ”فلول” النظام السابق، فيما اعتذر خالد شاويش، رئيس الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة، للسبب ذاته.
وبحسب متابعات سياسية، عُقد اجتماع كيغالي وفق قاعدة “شاتام هاوس” التي تضمن سرية المداولات، غير أن موسى محمد أحمد، مساعد الرئيس المعزول عمر البشير، خرق هذه القاعدة عقب عودته إلى بورتسودان، مطالباً بتكوين كتلة موحدة لشرق السودان لضمان مشاركته في الحوار، في خطوة عكست استمرار التنافس على مواقع النفوذ داخل العملية السياسية.
وركز اجتماع كيغالي على استعراض وجهات النظر بشأن إمكانية استئناف الحوار السوداني السوداني تحت إشراف الخماسية، ومعايير المشاركة فيه، وسط إدراك متزايد بأن أي عملية سياسية لن تكون قابلة للحياة ما لم تشمل الأطراف الرئيسية المؤثرة في المشهد السياسي والعسكري.
وخلصت النقاشات إلى أن مشاركة الكتل الثلاث المنظمة، وهي تحالف “صمود”، والكتلة الديمقراطية، وتحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، تمثل ضرورة لإنجاح أي حوار سياسي، مع التأكيد على أهمية توسيع قاعدة المشاركة وضمان شمولية العملية السياسية وموضوعاتها.
وتكشف اجتماعات جنيف وكيغالي عن حقيقة مركزية مفادها أن الطريق نحو حوار سوداني شامل لا يزال محفوفاً بالعقبات، وأن الخلافات حول الشرعية والتمثيل ومعايير المشاركة قد تعرقل أي تقدم، ما لم تُعالج ضمن إطار سياسي واضح يضمن مشاركة واسعة وشفافة، ويمنع إعادة إنتاج الأزمة تحت لافتة التسوية.
وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم كلفتها الإنسانية والسياسية، تبدو الحاجة إلى مسار سياسي جامع أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، غير أن تحقيق ذلك يتطلب توافقاً لا يزال بعيد المنال، في ظل تعدد المبادرات، وتباين مواقف القوى السودانية، واستمرار الصراع حول من يملك حق تمثيل السودانيين على طاولة الحوار.
