مجاهد بشرى: رسائل واشنطن عبر العقوبات الجديدة على حكومة بورتسودان
مجاهد بشرى
من يعتقد أن ما أعلنته الولايات المتحدة خلال اليومين الماضيين مجرد عقوبات جديدة، فهو ينظر إلى جزء صغير من الصورة ويغفل اللوحة كاملة, فالعقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على شركات منظومة الصناعات الدفاعية وشبكات الإمداد، ثم كلمة مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السودان، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن، ليستا حدثين منفصلين، وإنما حلقتان في مسار واحد يبدو أنه بدأ يتشكل بوضوح.
لفهم ما يجري، لا يكفي أن نقرأ بيان العقوبات وحده، ولا خطاب بولس وحده، بل ينبغي أن ننظر إلى ما بين السطور، وإلى ترتيب الخطوات، وإلى الرسائل التي اختارت واشنطن أن ترسلها في هذا التوقيت تحديداً.
أول ما يلفت الانتباه أن بولس افتتح كلمته بعبارة ليست بروتوكولية كما قد يظن البعض، حين قال “إنه يتحدث نيابة عن الرئيس دونالد ترامب”, وهي عبارة تعني أن ما سيقوله لا يمثل اجتهاداً شخصياً لمبعوث خاص، وإنما يعكس السياسة الرسمية للإدارة الأمريكية, وعندما نضع هذه الحقيقة إلى جانب العقوبات التي أعلنتها وزارة الخزانة قبل ايام فقط، تبدأ ملامح استراتيجية متكاملة في الظهور.
العقوبات الأمريكية الأخيرة لم تستهدف قائداً عسكرياً أو مسؤولاً سياسياً بعينه، وإنما اتجهت مباشرة إلى القلب الصناعي والاقتصادي الذي تعتمد عليه القوات المسلحة السودانية في إنتاج السلاح وتأمين احتياجاتها العسكرية، فبدلاً من الاكتفاء بمعاقبة منظومة الصناعات الدفاعية كما حدث في السابق، توسعت القائمة لتشمل الشركات التابعة، والمديرين التنفيذيين، والموردين الأجانب، وحتى الشركات التي وفرت المتفجرات والمواد والمعدات التي تستخدمها هذه المنظومة. وبذلك انتقلت واشنطن من معاقبة المؤسسة إلى تفكيك الشبكة التي تجعل استمرارها ممكناً.
لكن الأكثر أهمية أن بولس لم يتوقف عند العقوبات، بل انتقل مباشرة إلى الحديث عن ضرورة توسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل السودان بأكمله، بعد أن كان مقتصراً على دارفور، هذه ليست مجرد توصية فنية داخل مجلس الأمن، وإنما خطوة إذا كُتب لها أن تتحول إلى قرار دولي، فإنها ستغير قواعد اللعبة بالكامل، فبعد استهداف منظومة التصنيع المحلي، ثم استهداف الموردين الخارجيين، يصبح حظر السلاح الشامل حلقة جديدة في استراتيجية تهدف إلى تضييق الخيارات أمام منظومة التسليح الرسمية.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الحدثين، فالعقوبات لم تكن نهاية المطاف، بل تبدو وكأنها تمهد لمرحلة أكثر اتساعاً، وإذا كانت منظومة الصناعات الدفاعية قد أصبحت تحت العقوبات، وإذا كانت الشركات الأجنبية التي تمدها بالمعدات أصبحت بدورها هدفاً للعقوبات، فإن أي توسع لاحق في حظر السلاح سيزيد من صعوبة استمرار قنوات الإمداد الرسمية، وسيرفع الكلفة السياسية والاقتصادية على أي جهة أو دولة تفكر في مواصلة دعم الجيش، الذي ستكون هذه العقوبات بداية الضربة القاصمة له.
اللافت أيضاً أن بولس لم يكتف بالحديث عن السلاح، بل انتقل إلى نقطة أخرى لا تقل خطورة، وهي موقف مجلس السيادة من الهدنة الإنسانية، فقد أعلن بصورة واضحة أمام مجلس الأمن أن الولايات المتحدة قدمت أكثر من مقترح لهدنة إنسانية، وأن مجلس السيادة رفضها، بما في ذلك آخر مقترح قُدم في صباح الجلسة نفسها، في رسالة سياسية موجهة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن الإدارة الأمريكية تحمّل قيادة مجلس السيادة الانقلابي مسؤولية رفض المبادرة التي تقودها واشنطن لوقف القتال.
وتزداد دلالة هذه الرسالة عندما توضع بجانب تصريح البرهان الذي أكد فيه أن الحرب لن تتوقف إلا بانتصار عسكري، فمن وجهة النظر الأمريكية، كما تعكسها تصريحات بولس، هناك تناقض بين الدعوة إلى هدنة إنسانية والتمسك بالحسم العسكري، وهذا التناقض هو الذي يفسر تصاعد أدوات الضغط الأمريكية خلال الأيام الأخيرة، والذي لن يتوقف عند هذا الحد.
لكن ربما كانت أخطر فقرة في الخطاب كله تلك المتعلقة بالعملية السياسية، فبولس لم يكتف بالدعوة إلى انتقال مدني، بل شدد على أن هذا الانتقال يجب أن يكون مستقلاً، بعيداً عن نفوذ الشبكات الإسلامية أو أي مجموعات متطرفة، مؤكداً أن أي محاولة لفرض سيطرة سلطوية لن تكون مقبولة بالنسبة للولايات المتحدة، وهذه العبارة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياسات الأمريكية السابقة، ولا عن العقوبات التي استهدفت جهات مرتبطة بالإسلاميين، بل تعكس رؤية أمريكية تعتبر أن نجاح أي انتقال مدني يتطلب إبعاد القوى التي ترى أنها تؤجج استمرار الحرب، وهذا يخيف البرهان و حلفاؤه الاخوان المسلمين اكثر من أي حرب.
ومن يربط هذه الرسائل ببعضها يلاحظ أن واشنطن لا تتحدث عن وقف إطلاق النار بمعزل عن شكل السلطة التي ستلي الحرب، فالهدنة بالنسبة لها ليست الهدف النهائي، وإنما بوابة لعملية انتقال مدني، بينما ترى أن استمرار نفوذ المجموعات التي تصفها بالمتطرفة سيؤدي إلى إطالة أمد الصراع.
ثم تأتي نقطة الذهب، وهي في تقديري أخطر ما ورد في الخطاب على الإطلاق، فهذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها مسؤول أمريكي عن الذهب السوداني، لكنها ربما تكون المرة الأولى التي يطلب فيها المبعوث الأمريكي أمام مجلس الأمن من لجنة خبراء القرار 1591 تتبع العلاقة بين تهريب الذهب وتمويل شراء الأسلحة. هذا الربط يعني أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الذهب بوصفه قضية اقتصادية، وإنما باعتباره أحد مفاتيح اقتصاد الحرب.
وهنا تتضح الصورة أكثر، فبدلاً من الاكتفاء باستهداف السلاح، أصبحت الولايات المتحدة تتحرك أيضاً نحو استهداف مصادر تمويل شراء هذا السلاح، وإذا أضيف ذلك إلى العقوبات على منظومة الصناعات الدفاعية، وإلى استهداف الموردين الأجانب، وإلى الدعوة لتوسيع حظر السلاح، فإننا نكون أمام سياسة تضغط في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
لهذا أعتقد أن الخطأ الأكبر هو قراءة كل خطوة أمريكية باعتبارها حدثاً مستقلاً.. فالعقوبات، وخطاب بولس، والحديث عن حظر السلاح، وربط الذهب بتمويل الحرب، والدعوة إلى انتقال مدني مستقل، كلها تبدو أجزاءً من استراتيجية واحدة تحاول زيادة كلفة استمرار الحرب، وفي الوقت نفسه دفع الأطراف نحو مسار سياسي جديد.
يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه الاستراتيجية؟
الإجابة ليست محسومة، لأن نجاحها لن يعتمد على واشنطن وحدها، بل على مواقف القوى الدولية والإقليمية، ومدى قدرتها على تحويل هذه الرسائل إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن لغة الإدارة الأمريكية قد تغيرت. فهي لم تعد تركز فقط على إدانة الانتهاكات، وإنما أصبحت تستهدف منظومة الحرب نفسها؛ السلاح، والمصانع، والشركات، والموردين، والتمويل، والذهب، والغطاء السياسي الذي يسمح باستمرار كل ذلك.
وهذا التحول، إذا استمر، قد يكون أكثر تأثيراً من أي عقوبة منفردة، لأنه لا يضغط على نتيجة الحرب فقط، بل يحاول إعادة تشكيل البيئة التي تجعل استمرارها ممكناً.
