أحمد عثمان جبريل يكتب: الكباشي وبولس.. هل بدأت إعادة تشكيل المشهد؟ (2)
أحمد عثمان جبريل
❝ عندما تضع الحروب أوزارها، يبدأ الامتحان الحقيقي للدول.. فعند موائد الحوار تُرسم خرائط المستقبل، ويُختار شركاء المرحلة، وتُغلق أبواب الماضي، لتُفتح أبواب التاريخ من جديد. ❞
يروي التاريخ الإسلامي أن الفتنة حين اشتدت بين المسلمين، وسالت الدماء، ظن كثيرون أن السيف وحده هو الذي سيحسم الطريق.. لكن سبط رسول الله صل الله عليه وآله وسلم، الحسن بن علي رضي الله عنهما، نظر إلى المشهد بعينٍ أخرى؛ فلم يرَ جيشين يتواجهان فحسب، وإنما رأى أمةً يهددها استمرار النزيف.. أمةً بأكملها على حافة الهاوية.
يومها اختار الحسن، رضي الله عنه، أن يقدّم مصلحة الأمة على الخلافة، ومصلحة الجماعة على منطق الغلبة، فكان الصلح الذي جمع كلمة المسلمين فيما عُرف بعام الجماعة، وصدق فيه قول رسولنا الكريم صل الله عليه وآله وسلم: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.»
لم يكن ذلك الصلح نهاية خلاف سياسي فحسب، بل بداية مرحلة جديدة أعادت ترتيب الدولة، وفتحت باباً لإدارة المستقبل بعد أن أنهكت الحروب الجميع..
وهكذا يخبرنا التاريخ أن قيمة التسويات لا تُقاس فقط بقدرتها على وضع السيوف وإسكات البنادق، وإنما بقدرتها على الإجابة عن سؤال أكبر:” من سيقود المرحلة التالية؟ وكيف ستُبنى الدولة بعد أن يسكت صوت المدافع؟”.
ولعل السودان يقف اليوم أمام سؤال لا يبتعد كثيراً عن تلك الحكمة التاريخية.. ففي الحلقة السابقة انتهينا إلى أن اللقاء الذي جمع الفريق شمس الدين الكباشي بالمبعوث الأميركي مسعد بولس لم يكن اجتماعاً بروتوكولياً عابراً، وإنما لقاءً يناقش، في تقديرنا، ملامح المرحلة التي قد يدخلها السودان بعد الحرب..
ولذلك وقلنا بوضوح إن وزن الرجلين، وتوقيت اللقاء، وسياقه الإقليمي والدولي، كلها كانت تشير إلى أن ما يُبحث يتجاوز تفاصيل المعركة إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف سيُدار السودان في اليوم التالي للحرب؟
والواقع أن العلاقات الدولية لا تقرأ اللقاءات الكبرى بمنطق المصادفة، ولا تُقاس أهميتها بعدد الصور التي تُلتقط أمام الكاميرات، وإنما بمستوى من يجلسون إلى الطاولة، وبالسياق الذي جمعهم.. فعندما يلتقي مسؤول يتولى موقعاً متقدماً في هرم الدولة مع مبعوث يمثل الإدارة الأميركية، فإن السؤال الحقيقي لا يكون:” ماذا قيل داخل الغرفة؟.. وإنما: لماذا انعقد اللقاء؟ وما القضايا التي استدعت هذا المستوى من التمثيل؟”.. فالدبلوماسية لا تتحرك عبثاً، والعواصم لا ترتب اجتماعات بهذا الوزن لتبادل المجاملات، بل لاختبار المسارات التي قد تغيّر مستقبل الدول.
(1)
واليوم، وبعد أن بدأت تتكشف ملامح المقترح الأميركي المتداول، وما نُشر بشأن رد الحكومة السودانية عليه، تبدو الصورة أكثر وضوحاً.. فالأوراق التي ظهرت لم تكشف عن مقترح لوقف إطلاق النار فحسب، بل رسمت، في مجملها، أولويات مرحلة انتقالية تبدأ بهدنة مؤقتة، لكنها تمتد إلى إعادة ترتيب الواقع السياسي والعسكري والاقتصادي في السودان، وهو ما يعيد إلى الواجهة السؤال الذي طرحناه منذ البداية: (هل بدأت بالفعل إعادة تشكيل المشهد؟)
(2)
والمتأمل في البنود المتداولة يلاحظ أنها لم تُرتب اعتباطاً، وإنما جاءت وفق تسلسل يكشف فلسفة المرحلة المقبلة.. فالحديث يبدأ بهدنة إنسانية، ثم تفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، ثم انتقال إلى سلطة مدنية، يتبع ذلك توحيد المؤسسة العسكرية، وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، ثم إطلاق مسار إعادة الإعمار والدعم الاقتصادي.. وهذا الترتيب يقول، دون مواربة، إن النقاش لم يعد يدور حول كيفية إنهاء الحرب فحسب، بل حول شكل الدولة التي ستولد بعدها.. فالسياسة هنا لا تنتظر نهاية المعركة، وإنما تسعى إلى صناعة نهاية تقود إلى دولة جديدة.
ولا يبدو أن جوهر النقاش يدور حول أسبقية انسحاب هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما يدور حول الكيفية التي ستُدار بها مرحلة ما بعد توقف القتال.. فترتيبات الانسحاب، في مثل هذه المبادرات، لا تُقرأ بمعزل عن آليات المراقبة والضمانات الميدانية، لأن المقصود ليس إخلاء المواقع فحسب، وإنما منع إعادة إنتاج الحرب بصورة جديدة.. ومن هنا، يصبح السؤال الأهم: كيف ستُدار الأرض بعد أن تصمت البنادق؟
(3)
وربما كان البند الأكثر دلالة، وفق ما نُشر عن موافقة الحكومة على حوارٍ وطني يخلو من (الكيزان والميليشيات) .. هو أنه لا يتصل بترتيبات الحوار وحدها، وإنما يفتح باباً واسعاً لإعادة تعريف المشهد السياسي نفسه.. فالحوارات الوطنية الكبرى لا تقتصر على جمع المتحاورين حول طاولة واحدة، بل ترسم حدود المجال السياسي المقبل، وتحدد من يشارك في كتابة العقد الوطني الجديد، ومن يبقى خارج تلك اللحظة.. وهنا لا يعود الحديث عن إعادة تشكيل المشهد مجرد عنوان جذاب، وإنما احتمالاً سياسياً تتكامل حوله بقية البنود، إذا ما مضت هذه التوجهات إلى نهاياتها.
(4)
وإذا كان الجيش قد ظل، منذ اندلاع الحرب، محور النقاش الداخلي والخارجي، فإن ما طُرح بشأن الحفاظ على جيشٍ وطني موحد يخضع لسلطةٍ مدنية، إلى جانب نزع السلاح وتجميع المقاتلين، يكشف أن ملف المؤسسة العسكرية لم يعد يُناقش من زاوية الميدان وحده، وإنما من زاوية الدولة.. فالدول لا تستقر بتعدد مراكز القوة، ولا تنهض بوجود أكثر من قرار عسكري داخل حدودها، كما لا يستقيم بناؤها بتداخل الولاءات والأيديولوجيات داخل مؤسساتها السيادية.. ولذلك تبدو إعادة تعريف العلاقة بين الجيش والسلطة المدنية جزءاً من مشروع إعادة بناء الدولة، لا مجرد بندٍ أمني في اتفاق سياسي.
(5)
أما الاقتصاد، فقد كان حاضراً ولم تغب لغته عن المقترح، والتشديد على إعادة الإعمار ليست محطةً تأتي بعد السلام، بل إحدى أدوات صناعته.. فالدول الخارجة من الحروب لا تستعيد عافيتها بإزالة آثار الدمار وحدها، وإنما بإعادة الثقة في المستقبل، وفتح أبواب الإنتاج والاستثمار والعمل.. لذلك يبدو الاقتصاد هنا شريكاً في بناء الاستقرار، لا مجرد ملف مالي يُؤجَّل إلى ما بعد التسويات.
(6)
وربما لهذا السبب تبدو الأشهر الثلاثة المقبلة، إذا مضت الترتيبات في الاتجاه الذي يجري الحديث عنه، أكثر أهمية من كثير من شهور الحرب نفسها.. ففي مثل هذه المراحل، لا يُقاس الزمن بعدد الأيام، وإنما بحجم القرارات التي تُتخذ خلالها.. وقد تغيّر تسعون يوماً ملامح دولة كاملة إذا تحولت من هدنة مؤقتة إلى بداية مسار سياسي يعيد ترتيب المؤسسات، ويفتح الطريق أمام سلطة انتقالية، ويهيئ الأرض لسلام دائم.. وهنا ينبغي ان نشير إلى شواهد التاريخ التي لا تزال تؤكد أن الدول لا تتغير دائماً بأصوات المدافع، وإنما باللحظات التي يُعاد فيها الاتفاق على قواعدها الكبرى.
(7)
ومن هنا، فإن السؤال الذي طرحناه في الحلقة الأولى لا يزال قائماً، لكنه اليوم يبدو أكثر وضوحاً من الأمس.. فالمعطيات التي بدأت تتكشف لا تتحدث عن « وقف إطلاق نار فحسب أو انسحابات » بل عن مشروع يعيد ترتيب أولويات السودان، ويعيد تعريف العلاقة بين السلاح والسياسة، وبين الدولة والمجتمع، وبين الداخل وشركائه الإقليميين والدوليين.. وإذا استقرت هذه التوجهات على أرض الواقع، فإن البلاد لن تكون أمام (تسوية) تنهي حرباً فقط، وإنما أمام مرحلة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي
