عمار سعيد: حرب السيلفي واللقطات السريعة
عمار سعيد
في أحد مقالاتي السابقة أشرت إلى أن الحرب في السودان دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها الأولوية للسيطرة على الأرض بقدر ما أصبحت الأولوية للسيطرة على الرواية الإعلامية. وما شهدناه مؤخرًا يعزز، من وجهة نظري، هذا الاتجاه.
لقد انتقل الصراع إلى ما أسميه “حرب السيلفي واللقطات السريعة”.
هي استراتيجية لا تُقاس فيها قيمة العملية بما تحققه من نتائج ميدانية مستدامة، وإنما بما تنتجه من صور ومقاطع فيديو وعناوين عاجلة قادرة على اجتياح منصات التواصل خلال دقائق. فالمعادلة أصبحت واضحة: ادخل… صوّر… انشر… ثم اترك للإعلام مهمة إكمال العملية.
في تقديري، تقوم هذه المقاربة على تنفيذ تحركات محدودة زمنيًا، يعقبها مباشرة ضخ إعلامي مكثف ومنسق عبر منصات رقمية وقنوات فضائية وحسابات مؤثرة، بهدف خلق انطباع سريع بأن ميزان القوى قد تغير، حتى قبل أن تتضح الصورة الميدانية الكاملة.
ولذلك لم يعد السؤال الحقيقي: من وصل أولًا؟ وإنما: من بقي؟ ومن حافظ على وجوده؟ ومن استطاع إدارة الأرض بعد انطفاء الكاميرات؟
فالحروب لا تُقاس بعدد الصور، ولا بعدد المشاهدات، ولا بسرعة انتشار الوسوم، وإنما تُقاس بقدرة أي طرف على تثبيت الوقائع واستدامتها. أما اللقطة فهي قد تصنع أثرًا نفسيًا وإعلاميًا، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تغير موازين الصراع.
لقد أصبحت بعض العمليات الإعلامية تشبه إلى حد كبير مفهوم One Click Victory؛ أي محاولة صناعة “انتصار” في الفضاء الرقمي بضغطة زر، عبر إعادة تدوير المشاهد نفسها في عشرات المنصات، حتى يبدو الحدث أكبر من حجمه الحقيقي. إنها معركة على الإدراك قبل أن تكون معركة على الجغرافيا.
وهنا تكمن الخطورة. فالجمهور الذي يتابع الأخبار عبر هاتفه قد يكوّن انطباعه خلال ثوانٍ، بينما يحتاج فهم الواقع إلى وقت، وإلى متابعة ما يجري بعد ساعات وأيام، لا أثناء اللحظة الأولى فقط.
إن أخطر ما في هذا النمط من الصراع أنه يراهن على التأثير النفسي أكثر من الرهان على النتائج العملية. لذلك فإن تقييم أي حدث يجب ألا يكون رهين الصورة الأولى، بل بما آلت إليه الأمور بعد انقضاء الضجيج الإعلامي.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن هناك فارقًا كبيرًا بين الوجود أمام عدسة الكاميرا والوجود على الأرض. الأول قد يدوم دقائق، أما الثاني فهو الذي يصنع الوقائع ويعيد رسم الخرائط.
ولهذا، فإنني أرى أن المرحلة الحالية تستوجب قدرًا أكبر من الوعي الإعلامي، وألا تتحول منصات التواصل إلى البديل الوحيد لفهم مجريات الحرب. فالحقيقة لا تُختزل في لقطة، ولا تُقاس بزوايا التصوير، ولا بعدد المشاركات، وإنما تُبنى على قراءة متأنية للنتائج الميدانية والسياق الكامل للأحداث.
وفي النهاية، قد تنجح الصورة في صناعة انطباع سريع، وقد ينجح الخبر العاجل في إشعال موجة من التفاعل، لكن الزمن يظل هو الحكم الأكثر عدالة. فبعد أن تغادر الكاميرات، وتتوقف البثوث المباشرة، وتنتهي ضوضاء المنصات… يبقى سؤال واحد لا يستطيع أحد تجاوزه:
*من الذي بقي على الأرض؟*
