من اليمن إلى السودان .. التصعيد الحوثي يكشف كلفة اصطفاف السعودية إلى جانب جيش البرهان

8
mmmmmkh

لم يعد التصعيد بين جماعة الحوثيين والمملكة العربية السعودية محصوراً في حدود الحرب اليمنية؛ فمع عودة الصواريخ والمسيّرات إلى سماء المملكة، تتكشف شبكة أوسع من المصالح والتحالفات تمتد عبر البحر الأحمر إلى السودان، حيث انتقلت الرياض تدريجياً من موقع الوسيط المستضيف لمفاوضات جدة إلى داعم سياسي وعسكري رئيسي للجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان.

يضع هذا التحول السعودية أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فبينما تواجه المملكة تهديداً حوثياً متجدداً وتبحث عن حماية حدودها وممرات البحر الأحمر تدعم في السودان طرفاً يخوض حرباً داخلية مدمرة ويواجه اتهامات دولية باستخدام أسلحة كيميائية وفي المقابل، فقدت الرياض نتيجة الحرب السودانية القوات البرية التي شاركت سابقاً إلى جانبها في اليمن بما فيها وحدات من قوات الدعم السريع كانت تؤدي أدواراً قتالية في الجبهات والمناطق الحدودية.

وبين تمويل صفقات تسليح الجيش، ومحاولة بناء حاضنة سياسية لسلطة بورتسودان واستقطاب قيادات من قوات الدعم السريع، أصبح الدور السعودي جزءاً من معادلة الحرب السودانية لا مجرد وساطة تقف على مسافة واحدة من طرفيها. كما باتت ارتدادات هذا التدخل مرشحة للعودة إلى الرياض نفسها في ظل اتساع التهديد الحوثي وتراجع القدرة السودانية التي سبق أن استفادت منها المملكة في حرب اليمن.

 

تقرير – بلو نيوز

الحوثيون يعيدون الصواريخ إلى الواجهة

عاد التصعيد الحوثي-السعودي إلى الواجهة بعد إعلان جماعة الحوثيين تنفيذ هجوم بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، قائلة إن العملية جاءت رداً على غارات سعودية استهدفت مناطق يمنية خلال الأيام السابقة.

ويعيد الهجوم فتح واحدة من أكثر جبهات المنطقة حساسية، بعدما ظلت الحدود السعودية–اليمنية خلال السنوات الماضية تحت ترتيبات أمنية وعسكرية هشة، لم تؤد إلى تسوية نهائية للحرب أو إزالة أسباب المواجهة.

أعاد الهجوم الحوثي بالصواريخ والمسيّرات على قاعدة الملك خالد فتح جبهة بالغة الحساسية وكشف أن تهديد أمن السعودية والبحر الأحمر لم ينتهِ، بل عاد بصورة أكثر تعقيداً واتساعاً.

ويمثل استهداف قاعدة الملك خالد رسالة عسكرية وسياسية في آن واحد؛ فهي منشأة مهمة للعمليات الجوية السعودية، كما أن موقعها في جنوب المملكة يجعل الهجوم عليها دليلاً على استمرار قدرة الحوثيين على الوصول إلى أهداف داخل الأراضي السعودية باستخدام الصواريخ والمسيّرات.

ولا يقتصر خطر التصعيد على السعودية واليمن، إذ تتصل المواجهة مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وحركة التجارة والطاقة. وأي توسع في العمليات الحوثية يمكن أن يهدد الموانئ والسفن وخطوط الإمداد، ويضع دول الساحل الأفريقي، وفي مقدمتها السودان، داخل دائرة التداعيات الأمنية والاقتصادية.

البحر الأحمر يجمع جبهتي اليمن والسودان

يحتل السودان موقعاً مركزياً في الحسابات السعودية المتعلقة بالبحر الأحمر، بفضل ساحله الممتد وموانئه وموقعه المقابل للضفة الغربية للمملكة. ولهذا لا تنفصل طريقة تعامل الرياض مع الحرب السودانية عن حاجتها إلى حماية الملاحة ومنع خصومها الإقليميين من بناء نفوذ عسكري أو سياسي على الساحل السوداني.

ومن هذا المنظور، تنظر السعودية إلى بقاء مؤسسة عسكرية مركزية في السودان باعتباره عنصراً مهماً في حماية مصالحها الأمنية. لكن هذه الرؤية دفعت الرياض، وفق التطورات الأخيرة، إلى تجاوز الوساطة والاقتراب بصورة متزايدة من الجيش وسلطة بورتسودان.

وتراهن السعودية على أن دعم الجيش قد يساعدها في الحفاظ على سلطة متحالفة معها على الساحل السوداني، غير أن هذا الرهان يحمل مخاطر معاكسة؛ إذ إن إطالة الحرب وانقسام البلاد وتعدد مراكز القوة يمكن أن تحول الساحل نفسه إلى منطقة هشاشة أمنية مفتوحة أمام شبكات التهريب والجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية.

منبر جدة .. بداية الحياد

بدأ الدور السعودي بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 من موقع أقرب إلى الوساطة. واستضافت مدينة جدة، بالشراكة مع الولايات المتحدة، مفاوضات بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، انتهت إلى توقيع إعلان الالتزام بحماية المدنيين واتفاقات مؤقتة لوقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات.

انتقلت السعودية من استضافة طرفي الحرب في منبر جدة إلى تمويل صفقات تسليح الجيش ودعم سلطة بورتسودان ما أضعف حيادها وحوّلها من وسيط محتمل إلى طرف في الصراع.

وقدمت السعودية نفسها خلال تلك المرحلة بوصفها طرفاً راغباً في وقف الحرب، مستفيدة من علاقاتها السابقة بقيادتي الجيش والدعم السريع ومن مشاركتهما معاً في التحالف العسكري باليمن.

لكن اتفاقات جدة لم تصمد أمام استمرار القتال، ولم تنجح الوساطة في بناء آلية فعالة لمراقبة وقف إطلاق النار أو محاسبة الطرف الذي ينتهك التزاماته. كما تعطلت المفاوضات لاحقاً، بينما اتسعت الحرب وانتقلت إلى مناطق جديدة. ومع مرور الوقت، بدأت المسافة بين الرياض والجيش تتقلص، وتحول موقع السعودية تدريجياً من وسيط يسعى إلى جمع الطرفين إلى حليف سياسي وعسكري للبرهان وسلطته القائمة في بورتسودان.

صفقة سلاح بمليارات الدولارات

ظهر التحول بصورة أكثر وضوحاً في التقارير التي كشفت عن تمويل السعودية صفقة أسلحة كبيرة بين باكستان والقوات المسلحة السودانية، قدرت قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار.

وبحسب المعلومات المنشورة، تشمل الصفقة معدات وأسلحة تهدف إلى تعزيز القدرات القتالية للجيش في مواجهة قوات الدعم السريع. وتمثل هذه الخطوة، إذا اكتملت جميع مراحل تنفيذها، انتقالاً نوعياً من الدعم السياسي والدبلوماسي إلى الإسناد العسكري المباشر عبر تمويل مشتريات السلاح.

تكشف صفقة الأسلحة الباكستانية، المقدرة بنحو 1.5 مليار دولار والممولة سعودياً، أن دعم الرياض للجيش تجاوز التقارب السياسي إلى إسناد عسكري يعزز قدرته على مواصلة الحرب.

ولم تعد المسألة، وفق هذا التطور، متعلقة بعلاقات طبيعية بين دولتين أو بتنسيق لحماية البحر الأحمر، بل بدعم أحد طرفي حرب داخلية للحصول على أسلحة يمكن أن تغير قدرته على الاستمرار في القتال وتنفيذ عمليات عسكرية واسعة. كما تثير الصفقة تساؤلات بشأن اتساقها مع دعوات السعودية المتكررة إلى وقف الحرب والعودة إلى المفاوضات؛ إذ يصعب الجمع بين تمويل تسليح أحد الطرفين والاحتفاظ في الوقت نفسه بصورة الوسيط المحايد القادر على إدارة تسوية يثق بها الطرفان.

محاولة بناء حاضنة سياسية للبرهان

لم يقتصر التحرك السعودي على المجال العسكري، بل امتد إلى محاولة إعادة ترتيب المشهد السياسي السوداني وتكوين حاضنة مدنية توفر غطاءً لسلطة الجيش في بورتسودان.

وشملت التحركات السعودية اتصالات مع أحزاب وتحالفات وشخصيات سياسية سودانية، من بينها قيادات في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، إلى جانب قوى رافضة للحرب وشخصيات ظلت خارج الاصطفاف المباشر بين الجيش والدعم السريع.

لم يقتصر التحرك السعودي على تسليح الجيش، بل امتد إلى استقطاب أحزاب وقيادات سودانية لبناء حاضنة سياسية تمنح البرهان وسلطة الأمر الواقع في بورتسودان غطاءً مدنياً وشرعية خارجية.

وتشير المعلومات المتداولة بشأن هذه الاتصالات إلى أن الرياض سعت إلى إقناع الفاعلين السودانيين بدعم البرهان والاعتراف بالسلطة القائمة في بورتسودان باعتبارها الحكومة الشرعية، مع تقديم حوافز سياسية ومالية لبعض المستهدفين بالاستقطاب.

وتبدو الغاية من هذا المسار أوسع من مجرد عقد مشاورات سياسية؛ فهي تهدف إلى توفير واجهة مدنية تخفف الطابع العسكري للسلطة، وتمنح البرهان قاعدة سياسية يستطيع الاستناد إليها في مواجهة المبادرات التي تطالب بسلطة مدنية مستقلة عن طرفي الحرب.

غير أن محاولات الاستقطاب لم تحقق جميع أهدافها؛ إذ رفضت قيادات سياسية وحركات مسلحة الانضمام إلى هذا المسار، وتمسكت بمواقفها الرافضة للحرب ولسيطرة الجيش على الدولة.

عبدالواحد نور يكشف تفاصيل العرض

قدم رئيس حركة وجيش تحرير السودان، عبدالواحد محمد نور، شهادة مباشرة بشأن التحركات السعودية، كاشفاً أنه تلقى دعوة إلى المملكة في يونيو 2026، وأقام فيها ستة أيام التقى خلالها عدداً من المسؤولين والشخصيات.

وقال نور إن السلطات السعودية طلبت منه التعاون مع البرهان ودعم الجيش السوداني، وإنه رفض العرض وتمسك بموقفه الرافض للانحياز إلى أي من طرفي الحرب.

كشف عبدالواحد محمد نور أن مسؤولين سعوديين طلبوا منه دعم البرهان والجيش مقابل إغراءات مالية لكنه رفض العرض، في واقعة تكشف حجم التدخل في إعادة تشكيل الاصطفافات السودانية.

كما تحدث عن إغراءات مالية عرضت عليه مقابل تغيير موقفه السياسي والانضمام إلى المعسكر الداعم للجيش. وتكتسب هذه الإفادة أهميتها من صدورها مباشرة عن رئيس حركة سياسية وعسكرية سودانية، بعد زيارة فعلية إلى السعودية ولقاءات استمرت عدة أيام.

وتكشف الواقعة أن التحرك السعودي لم يستهدف القوى المتحالفة تقليدياً مع الجيش وحدها، بل حاول استقطاب شخصيات ظلت بعيدة عن معسكري البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، بهدف توسيع الغطاء السياسي للسلطة القائمة في بورتسودان.

استقطاب قيادات من الدعم السريع

بالتوازي مع بناء التحالفات السياسية، تحركت السعودية على المستوى العسكري لاستقطاب قيادات من قوات الدعم السريع ودفعها إلى الانشقاق والانضمام إلى الجيش.

وخلال عام 2026، أعلن اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ«النور القبة»، انشقاقه عن قوات الدعم السريع وانتقاله إلى جانب الجيش. واستقبله البرهان عقب وصوله إلى مناطق سيطرة القوات المسلحة على رأس قوة ومركبات قتالية.

وبعد ذلك أعلن القائد الميداني علي رزق الله، المعروف باسم «السافنا»، انشقاقه هو الآخر وانضمامه إلى الجيش، في خطوة حظيت باهتمام واسع نظراً إلى موقعه السابق داخل الدعم السريع ودوره في عدد من جبهات القتال.

أظهرت انشقاقات النور القبة والسافنا وما رافقها من دعم وترتيبات سعودية أن الرياض لم تكتفِ بمساندة الجيش، بل تحركت لتفكيك خصمه من الداخل وتغيير موازين الحرب.

وأكدت مصادر وتقارير متعددة وقوع الانشقاقين، بينما كشفت تقارير متخصصة عن دور سعودي في ترتيب انتقال القيادات وتقديم دعم مالي ودبلوماسي للعملية، بينها معلومات عن تحويل ملايين الدولارات إلى منشقين بارزين.

كما حاولت السعودية استقطاب قيادات أخرى من قوات الدعم السريع، لكن عدداً من هذه المحاولات لم ينجح، ويشير ذلك إلى أن الرياض عملت على تفكيك خصم الجيش من الداخل، بالتوازي مع تمويل صفقات السلاح وتوسيع التحالف السياسي الداعم للبرهان.

وحتى إذا لم تؤد هذه الانشقاقات إلى انهيار الدعم السريع، فإنها تكشف عن مستوى جديد من التدخل الخارجي في الحرب، يقوم على إعادة تشكيل ولاءات القادة والوحدات المسلحة، وليس فقط تزويد الأطراف بالسلاح أو توفير الدعم الدبلوماسي.

السعودية تفقد موقع الوسيط

تضع هذه الوقائع منبر جدة أمام أزمة ثقة حقيقية؛ فالسعودية التي استضافت المفاوضات بين طرفي الحرب أصبحت متهمة بالجمع بين تمويل تسليح الجيش، ودعم سلطة بورتسودان، واستقطاب القوى السياسية لمساندة البرهان، والإشراف على انتقال قيادات عسكرية من الدعم السريع إلى معسكر القوات المسلحة.

لا يستطيع من يمول تسليح أحد طرفي الحرب ويستقطب السياسيين والقادة العسكريين لمصلحته أن يحتفظ بثقة الطرف الآخر أو يقدم نفسه وسيطاً محايداً قادراً على إدارة تسوية متوازنة.

ولا تقوم الوساطة الفاعلة على توفير قاعة للمفاوضات وحدها، بل تتطلب ثقة الأطراف واستقلال الوسيط عن مشاريع التسليح والاستقطاب والتأثير في موازين القوة. وكلما تعمق الانحياز السعودي إلى الجيش، تراجعت قدرة الرياض على إقناع الدعم السريع وحلفائه بأنها تستطيع ضمان تسوية متوازنة.

كما أن ضخ الأموال والأسلحة في الحرب لا يقرب السودان من وقف إطلاق النار، بل يمنح طرفاً جديداً فرصة الاعتقاد بإمكان تحقيق الحسم العسكري. وقد أثبتت سنوات القتال أن كل محاولة لتغيير التوازن بالقوة أدت إلى اتساع رقعة الحرب وزيادة أعداد الضحايا والنازحين، من دون أن تمنح أي طرف انتصاراً نهائياً.

«الكيميائي» يضاعف مأزق الرياض

تزداد خطورة الاصطفاف السعودي في ظل الاتهامات الدولية الموجهة إلى الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب.

فقد أعلنت الولايات المتحدة توصلها إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وفرضت على إثر ذلك عقوبات شملت قيوداً على الصادرات الأميركية وخطوط الائتمان الحكومية. وفي المقابل، رفضت سلطة بورتسودان الاتهامات ووصفتها بأنها غير صحيحة ومبنية على دوافع سياسية.

يتضاعف مأزق الرياض لأنها تدعم جيشاً يواجه اتهامات دولية باستخدام أسلحة كيميائية، ما يحمّلها مسؤولية الضغط من أجل التحقيق والمساءلة وضمان عدم توظيف دعمها في الانتهاكات.

وتضع هذه القضية السعودية أمام مسؤولية سياسية مضاعفة؛ فتمويل جيش يواجه اتهامات باستخدام أسلحة محرمة دولياً يجعل الرياض مطالبة بالكشف عن طبيعة دعمها، وضمان عدم استخدام المعدات الممولة منها في هجمات على المدنيين، ودعم تحقيق دولي مستقل يحدد الوقائع والمسؤوليات. ولا يعني الدعم السعودي للجيش بالضرورة مسؤولية الرياض المباشرة عن جميع عملياته لكنه يجعلها طرفاً يمتلك نفوذاً ووسائل ضغط لا يجوز فصلها عن الالتزام بحماية المدنيين ومنع الانتهاكات.

قوات الدعم السريع في حرب اليمن

يحمل التصعيد الحوثي الراهن بعداً سودانياً يعود إلى عام 2015، عندما انضم نظام عمر البشير إلى التحالف الذي قادته السعودية في اليمن، وأرسل وحدات من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع للمشاركة في العمليات العسكرية ضد الحوثيين.

وأدت قوات الدعم السريع دوراً بارزاً في العمليات البرية والجبهات الحدودية، بينما وفرت مشاركتها للمملكة قوة بشرية مقاتلة في بيئة شديدة الصعوبة. كما أسهمت هذه المشاركة في بناء علاقات مباشرة بين قيادة الدعم السريع والسعودية والإمارات، ومنحت القوات موارد مالية وخبرة قتالية وحضوراً إقليمياً.

وأكدت تقارير دولية أن الجيش والدعم السريع شرعا معاً في إرسال قوات إلى اليمن ضمن التحالف، قبل أن يعود آلاف المقاتلين السودانيين تدريجياً إلى بلادهم.

ولم تكن مشاركة الدعم السريع هامشية؛ فقد انتشرت وحداته في مناطق وعرة وعلى جبهات قريبة من الحدود السعودية، وأسهمت في حماية بعض المحاور والتقدم داخل الأراضي اليمنية. ولذلك كان انسحاب هذه القوات يعني فقدان التحالف قوة برية كانت تتحمل جزءاً مهماً من أعباء المواجهة المباشرة.

انسحاب القوات السودانية والفراغ الميداني

أدى تقليص المشاركة السودانية، ثم اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع، إلى إنهاء القدرة على توظيف القوات السودانية ضمن العمليات السعودية في اليمن. فقد تحول الطرفان اللذان قاتلا معاً داخل التحالف إلى خصمين يخوضان حرباً مفتوحة داخل السودان.

ويرى مراقبون أن انسحاب وحدات الدعم السريع من الجبهات اليمنية أسهم في إضعاف الترتيبات الأمنية التي اعتمدت عليها السعودية في بعض المناطق الحدودية. ومع ذلك، لا يمكن تفسير التقدم الحوثي بعامل واحد؛ إذ تتداخل معه أوضاع القوات اليمنية، وتغير سياسات التحالف، والدعم الإيراني للحوثيين، والتحولات العسكرية والسياسية داخل اليمن.

فقدت السعودية بانسحاب القوات السودانية قوة برية أسهمت سابقاً في تأمين الجبهات الحدودية باليمن، بينما لا يستطيع الجيش المستنزف بحربه الداخلية تعويض الدور الذي أدته تلك القوات.

لكن المؤكد أن الجيش السوداني لا يستطيع، في وضعه الراهن، القيام بالدور الذي أدته قوات الدعم السريع والوحدات السودانية الأخرى سابقاً. فالجيش يخوض حرباً داخلية دخلت عامها الرابع، ويواجه استنزافاً بشرياً ومالياً وعسكرياً واسعاً، ولا يمتلك القدرة العملية على إرسال قوات مؤثرة إلى جبهة خارجية.

وهكذا وجدت السعودية نفسها أمام نتيجة عكسية؛ فقد فقدت القوة السودانية التي استعانت بها في اليمن، ثم انتقلت إلى تمويل أحد طرفي الحرب التي تمنع السودان من استعادة مؤسساته وقدرته العسكرية الموحدة.

دعم الجيش لا يحمي الأمن السعودي

تعتقد الرياض أن مساندة الجيش قد تساعد في الحفاظ على سلطة حليفة لها في السودان، وتأمين الساحل الغربي للبحر الأحمر، ومنع تمدد نفوذ خصومها. لكن استمرار الحرب يمكن أن يفضي إلى نتائج تناقض هذه الحسابات تماماً.

فالدولة السودانية المنقسمة، والجيش المستنزف، وانتشار الجماعات المسلحة، وانهيار الاقتصاد والمؤسسات، كلها عوامل تضعف أمن البحر الأحمر ولا تعززه. كما أن تحويل السودان إلى ساحة لتصفية المنافسات الإقليمية يفتح المجال أمام تدخلات وتحالفات جديدة يصعب على أي دولة التحكم في نتائجها.

لا يمكن للسعودية حماية أمنها والبحر الأحمر بتمويل حرب أخرى على ضفته المقابلة؛ فإطالة الصراع السوداني تعمق الفراغ الأمني الذي يمنح الحوثيين والقوى الإقليمية مساحة أوسع للتحرك.

ولا تستطيع السعودية مواجهة التهديد الحوثي عبر دعم حرب أخرى على الضفة المقابلة للبحر الأحمر. كما أن تمويل الأسلحة واستقطاب السياسيين والقادة العسكريين لن يعيدا للسودان وحدته أو للمملكة أمنها، بل قد يضاعفان حالة عدم الاستقرار التي تسمح للجماعات المسلحة وشبكات التهريب والقوى الخارجية بتوسيع نفوذها.

موقف سعودي بالغ التعقيد

يكشف المشهد أن السياسة السعودية أصبحت عالقة بين حاجتها إلى إنهاء الحرب السودانية ورغبتها في ضمان انتصار حليفها العسكري، وبين سعيها لحماية البحر الأحمر وفقدانها القوات السودانية التي شاركت سابقاً في تأمين جبهتها الجنوبية.

ففي اليمن تواجه المملكة خصماً يمتلك الصواريخ والمسيّرات ويستطيع تهديد منشآتها وقواعدها. وفي السودان، تمول صفقات تسليح الجيش وتحاول إعادة تشكيل المشهدين السياسي والعسكري لمصلحة البرهان، بينما تتراجع قدرتها على الاضطلاع بدور الوسيط.

وبذلك لم يعد السؤال متعلقاً بما إذا كانت السعودية تؤيد الجيش السوداني، بل بما إذا كان هذا الاصطفاف يحقق مصالحها بالفعل أم يضيف جبهة جديدة إلى أزمتها الإقليمية. فالطريق إلى حماية السعودية والبحر الأحمر لا يمر عبر إطالة حرب السودان أو تمويل الحسم العسكري، وإنما عبر وقف تدفق السلاح، والعودة إلى وساطة متوازنة، والضغط على طرفي الحرب للالتزام بوقف إطلاق النار، وفتح مسار سياسي لا يمنح الجيش أو الدعم السريع حق احتكار مستقبل البلاد.

أما استمرار السياسة الحالية فيعني أن الصواريخ التي تعود إلى سماء السعودية والحرب التي تحرق السودان لم تعودا أزمتين منفصلتين، بل وجهين لاختلال إقليمي واحد، صنعته تحالفات عسكرية قصيرة النظر وأصبح المدنيون في السودان واليمن والمنطقة يدفعون كلفته.

What do you feel about this?