منال علي محمود: الامتياز المؤسس: الإنسان الشمالي تركة الأمس ووعي اليوم

196
منال علي محمود

منال علي محمود
[email protected]

(لم نكن يوما دعاة انفصال، لكننا كنا دوما ضحايا دفع قسري خارج قلب الوطن. ومن أراد الانفصال، فليبدأ بنفسه، فالدساتير واضحة، والتاريخ لا يرحم من باع وحدة الوطن تحت الطاولة. نحن من تم ابتلاعنا قسرا داخل هذا الكيان، وقدم لنا المستعمر كأب شرعي، ثم ورثت أدواته لنخبة لم تحتمل أن تواجه جلادها، فاتخذت من أساليبه دستورا، ومن شعوبنا ساحة تطبيق.)

(فلا تسألونا عن الوحدة، بل اسألوا من فرحوا بذبح الثور الأسود، ثم ماتوا كما مات. واسألوا من اعتبروا دارفور جنوبا جديدا، فبدأوا يقطعون أوصال البلاد حفاظا على مركز يتوهم الخلود.)

(تحت قلاع الخوف: ميراث الغضب من حملة الدفتردار)

لم تكن حملة الدفتردار على السودان مجرد انتقام عابر، بل لحظة تأسيس لعقد نفسي عميق، تركت أبناء الشمال النيلي في حالة تصادم دائم مع الذاكرة، وغضب مكبوت لم يوجه نحو الجاني، فاتخذوا من أسلوبه وسيلة حكم، ومن قسوته نظاما دائما.

وللأمانة التاريخية، فإن أهل الشمال النيلي لم يكونوا دائما في موقع الامتياز، بل تعرضوا لانتهاكات عنيفة، أبرزها مجازر حملة الدفتردار بعد مقتل إسماعيل باشا، والتي طالت قبائل مثل الشايقية والجعليين، كما نكل بهم لاحقا في عهد الدولة المهدية، على يد قادة مثل محمود ود أحمد، الذي ذبح الآلاف منهم بوحشية في سبيل إخضاعهم.

لكن كل هذه الفظائع، بدلا من أن تخلق وعيا ضد الظلم، تحولت إلى إذعان تاريخي، وانزاحت النفسية الجمعية من مقاومة المستعمر، إلى تمجيد من يشبهه، ثم إلى توجيه الغضب نحو الضحية الخطأ.

فدارفور، التي لم تكن طرفا في مقتل إسماعيل باشا أو أي من الحملات الانتقامية، وضعت فجأة في مرمى الغضب التاريخي المكبوت. وتحول كثير من أبناء الشمال النيلي إلى مروجين وخدام لمنهج المستعمر، بل لبعض منفذي ذات المدرسة القمعية التي أذلتهم ذات يوم.

إنها مفارقة مريرة: أن يتماهى الضحية مع الجلاد، ويسقط حقده المكبوت على من لا علاقة له بجراحه. وبدل أن يحاكم المستعمر ومن مثل سلطته، تم إسقاط العنف على الهامش، فتكررت السياسة ذاتها: إذلال، تهميش، إقصاء… ولكن بأيد سودانية هذه المرة.

هذا ليس مجرد انحراف سياسي، بل خلل نفسي عميق ومتجذر، جعل من المستحيل أن يدار السودان من موقع الحياد أو العدالة، لأن الحاكم يحمل عقدته معه إلى الكرسي. لا يرى نفسه إلا من خلال عين المستعمر، ولا يرى الآخر إلا كتهديد، أو تابع، أو عبء.

وحين تصاب النخب السياسية بحالة إنكار جماعي، وترى أن ما تفعله من قهر واحتقار هو (حكم رشيد)، فهي في الحقيقة تعيد إنتاج من أذلها، وتثبت يوما بعد يوم أنها ليست مؤهلة أخلاقيا ولا نفسيا لحكم وطن متعدد، لأن شرط الحكم في وطن مثل السودان، هو أن تخلع عباءة التاريخ، لا أن تتقمصها.

(مشاكوس تتشكل من جديد)

بعد اتفاق مشاكوس، تم تعريف السودان دستوريا على أنه (الشمال)، وجنوب السودان باعتباره الكيان الذي ينفصل. لكن العقلية التي وقعت الاتفاق كانت لا ترى في السودان إلا الشمال النيلي، لذا أصبح كل ما هو غرب أو شرق أو جنوب جديد، في نظرهم، (زوائد يجب التخلص منها).

صار الغرب جنوبا جديدا، وصار النيل الأزرق وجبال النوبة امتدادا (للمشكلة الجنوبية) السابقة. وبات فصل الأطراف هو الطريقة الوحيدة للبقاء في الحكم. فكم يلزمهم من بتر أضلاع حتى يبقى هذا (الشمال) وحده هو الوطن؟ وكم مرة يعاد تعريف من يستحق المواطنة؟

(التمكين بالقوة… والتمثيل بالخداع)

رغم أن أبناء الهامش هم من قاتلوا في الصفوف الأمامية، إلا أنهم يعرفون أن الكباشي وإبراهيم جابر وغيرهم ليسوا سوى رموز تضليلية. لم تجرؤ السلطة على إبعادهم لأنهم في حاجة لمن يقاتل عنها. ورغم قتالهم، يعرفون أن وزير الداخلية وضباط الجيش ما هم إلا تمثيل وترميز تضليلي.

ولم يشفع ذلك الخنوع للسلطة، ولم يمنع المجازر، ولم يوقف الإزالة، ولا التهجير، ولا الإذلال. فتم تجريف بيوت كاملة من مناطق دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، بحجة (مكافحة العشوائيات)، وهي ذات البيوت التي لم يقترب منها أحد أثناء وجود قوات الدعم السريع في الخرطوم. فهل لأنهم صاروا هدفا مباحا بعد أن سقطت الأقنعة؟

وبكاء كالضابط الذي قال (اعفوا لينا، ما قدرنا نحميكم)، ليس سوى اعتراف بفشل دولة لم تكن عادلة يوما، بل ظلت ترى أبناء الهامش كقوة تستدعى للحرب، وتبعد عن مؤسسات القرار.

(الاغتصاب كأداة حكم)

حتى مهنة (المغتصب) كانت وظيفة نظامية قبل الثورة. ومع تعاقب الحروب المفتعلة، صارت كل مواجهة مسلحة، أو ما يسمى (مكافحة التمرد)، تدار بذات الذهنية: يجب أن يكون الاغتصاب أقوى أدوات التنفيذ.

هذا الأسلوب لم يظهر من فراغ، بل هو امتداد مباشر لمنهج المستعمر، الذي استخدم الإذلال الجسدي كوسيلة لإخضاع الشعوب. وقد استبطنته النخبة الحاكمة، وحولته إلى سياسة دولة، تمارس ضد نساء جبال النوبة، دارفور، النيل الأزرق، دون وازع أو محاسبة.

(القانون الغائب… والتمييز الحاضر)

رغم أن الدستور لا يميز بين السودانيين، إلا أن الواقع يمارس تمييزا فاضحا. تم تهجير مئات الأسر من مناطق نهر النيل، ومنعوا من التعدين، وأزيلت مساكنهم بحجة (مكافحة العشوائيات)، دون أن يحدث ذلك خلال وجود قوات الدعم السريع. وغالبية من طالتهم الإزالة من دارفور، النيل الأزرق، وجبال النوبة.

فهل هو استعلاء أدمنته النخبة، أم خنوع أدمنه المهمش؟ ومتى تتشكل الكتلة الحرجة، فتقلب الطاولة على نظام لا يعترف بالمساواة إلا في نصوص لا تطبق؟

(الرفض هو البداية)

ربما لا تتشكل الكتلة الحرجة الآن، ونحن تحت القصف، وتحت الإزالة، وتحت القهر. لكن ما يجب أن يتشكل فورا هو الرفض. لا للظلم. لا للمحو الممنهج. لا لإقصاء من قاتلوا في الصفوف الأمامية فقط لأنهم لا ينتمون للمركز.

الوعي لا يحتاج إلى مقرات ولا أحزاب. يبدأ من بيت مهدد بالإزالة، ومن ضابط يبكي لأنه لم يحم مدنيين، ومن قرية تسأل لماذا لا نعامل كمواطنين، ومن مدن تقصف بلا رحمة بحجة أنها حواضن، بينما مدن أخرى لم تعرف حتى صوت السلاح.

الوعي ليس ترفا. هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيعون تجريفه.

السودان لن يدفع فقط ثمن الحرب، بل ثمن العار الذي لم يغسل، والغضب الذي لم يستثمر في درء الظلم عن بقية أجزائه. فحين تنسى قلة أن كل أجزائه لنا وطن، وتتوهم أن الحكم ملك عضوض، فإنها تقودنا نحو تفكك لا يشبهنا، بل يشبه تاريخها الشخصي، المليء بالهزائم المتوارثة.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com