منال علي محمود: التصعيد الإماراتي الأخير .. قراءة في الإرث الدبلوماسي السوداني والتحولات الراهنة

195
منال على محمود

منال علي محمود

البريد الإلكتروني: [email protected]
أثار قرار الإمارات إيقاف الرحلات الجوية من وإلى السودان، جدلاً واسعاً حول مسار العلاقات بين البلدين. جاء القرار بعد تداول خبر مفبرك عن إسقاط طائرة إماراتية تحمل مرتزقة كولومبيين في مطار نيالا، وهو خبر لم تثبته أي جهة مستقلة، لكنه وجد طريقه سريعاً إلى الخطاب السياسي والإعلامي.
الخطوة الإماراتية ليست حدثاً معزولاً، بل تتويجاً لسلسلة من التوترات، بدأت منذ إعلان الحكومة السودانية تصنيف الإمارات كـ”دولة عدوة”، في تصعيد غير مألوف على مستوى العلاقات الثنائية.

الخلفية التاريخية

قبل أن تضع السياسة السودانية نفسها على سكة الارتجال والانفعال، كان للسودان إرث دبلوماسي يُحترم على المستويين الإقليمي والدولي. اتسمت سياسته الخارجية قبل حكم الإسلامويين بالتوازن والقدرة على بناء الجسور حتى بين الخصوم. لعب السودان أدواراً بارزة في القمم العربية والأفريقية، وحافظ على موقعه كدولة وسيطة، تجيد الاستماع وإقناع الآخرين، وتحظى بقبول مختلف الأطراف. لم تكن الخرطوم تدخل في مواجهات مباشرة بلا داعٍ، ولم تكن تصدر بيانات تصنيف الأصدقاء والأعداء على أساس المزاج أو اللحظة السياسية. بل كانت العلاقات تُدار وفق قراءة دقيقة للمصالح الوطنية، تراعي التوازن بين الانفتاح على العالم العربي، والانخراط العميق في القارة الأفريقية، والحفاظ على قنوات تواصل مع القوى الدولية الكبرى.

دبلوماسية العلاقات أم منطق “تحت جزمتي”?

في عالم السياسة، لا تعيش الدول على القوة العسكرية أو الموارد وحدها، بل على قدرتها في إدارة الخلافات بأسلوب يحفظ الاحترام ويترك أبواب العودة مفتوحة. السودان، رغم ظروفه الداخلية المتهالكة وحربه المستمرة، اختار في لحظة التوتر الأخيرة أن يرفع سقف المواجهة ويعلن الإمارات “دولة عدوة”. هذا النهج يعيد إلى الأذهان أسلوب الإسلامويين في التسعينيات، حينما كانت السياسة الخارجية تحكمها الشعارات الحماسية والأغاني الجهادية، على شاكلة “أمريكا وروسيا قد دنا عذابها”، قبل أن تنقلب البوصلة فجأة نحو التحالف مع موسكو، في مفارقة تكشف هشاشة الرؤية الاستراتيجية آنذاك.

السياسات الرعناء تلك لم تبنِ جسوراً، بل أحرقت ما كان قائماً منها. فقد كانت لغة الخطاب الخارجية تتسم بالفظاظة والتهديد، حتى مع دول لم تكن تشكّل تهديداً مباشراً، مما أفقد السودان رصيده من التعاطف والدعم الدولي.

في المقابل، تنتهج الإمارات سياسة أكثر هدوءاً ودبلوماسية حتى في الرد على الخصوم. تمتلك ما يمتلكه السودان من منافذ بحرية وموقع استراتيجي، لكنها توظف ذلك في بناء شبكة تحالفات واستثمارات، وتتعامل في المحافل الدولية بخطاب محسوب الكلمات. الفرق واضح مثلاً عند مقارنة مداخلات ممثلي البلدين في الأمم المتحدة: حيث يميل الخطاب الإماراتي إلى الرسائل الضمنية والتعبيرات الدبلوماسية، بينما جاء خطاب الممثل السوداني في أكثر من مناسبة متشنجاً، يوجّه الاتهامات المباشرة دون ترك مساحة للمرونة.

النتيجة الطبيعية لهذه الفجوة في الأسلوب أن الدول تنفض من حول السودان، وتصبح مواقفه معزولة حتى عندما تكون مطالبه مشروعة، لأن طريقة عرضها تنفّر الحلفاء المحتملين قبل الخصوم.

التحول بعد حكم الإسلامويين

مع وصول الإسلامويين إلى الحكم، فقد السودان قدرته على الحفاظ على سياسة خارجية متزنة. تحولت الملفات الدبلوماسية إلى أداة لتصدير الخطاب الأيديولوجي، وصارت المواقف الخارجية انعكاساً للتجاذبات الداخلية، لا لرؤية استراتيجية واضحة. الانقلابات في المواقف، والتحالفات المتناقضة، والخطاب العدائي، كلها جعلت البلاد تبدو غير مستقرة وغير جديرة بالثقة على الساحة الدولية.

فشل المستخدم في خدمة المخدم

السؤال الذي يطرح نفسه، هل تضع الحكومة شعبها في الحسبان قبل أي تحرك أو تصريح؟ عندما تتحول السياسة الخارجية إلى حلبة لتصفية الحسابات أو استعراض القوة، دون حسابات دقيقة للعواقب، يصبح المواطن هو الخاسر الأول. ومع غليان الحرب في الداخل، فإن أي تضييق خارجي يمكن أن يسرّع الوصول إلى نقطة الانفجار الاجتماعي، حيث يتقاطع الضغط الاقتصادي مع الإحباط الشعبي ليخلق بيئة قابلة للاحتجاجات العارمة أو حتى الفوضى.

البدائل وكلفتها

البحث عن بدائل لمواجهة الحصار أو التضييق الذي تمارسه الإمارات ليس أمراً سهلاً، خصوصاً وأن أبوظبي تمتلك شبكة نفوذ راسخة في الموانئ والمنافذ البحرية بالمنطقة، من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر وحتى شرق المتوسط. هذه الشبكة تمنحها قدرة على التأثير غير المباشر في حركة التجارة والنقل، بل وحتى في قرارات بعض الدول المجاورة للسودان.

بالنسبة للسودان، الخيارات محدودة ومكلفة. التحرك نحو منافذ بديلة يعني الاعتماد بشكل أكبر على موانئ في دول مثل مصر أو جيبوتي أو حتى ميناء بورتسودان، لكن هذه المسارات تظل رهينة للعلاقات السياسية، وقد تفرض تكاليف لوجستية أعلى. كما أن إنشاء أو تطوير موانئ جديدة أو خطوط جوية بديلة يتطلب استثمارات ضخمة، وهو أمر شبه مستحيل في ظل الوضع الاقتصادي الراهن.

على الصعيد الدبلوماسي، يمكن للسودان محاولة إعادة تموضعه عبر فتح قنوات مع قوى إقليمية أخرى مثل تركيا أو قطر أو إثيوبيا، لكن هذه المحاولات ستصطدم إما بحساسيات سياسية قائمة أو بمحدودية النفوذ الاقتصادي لهذه الأطراف مقارنة بالإمارات.

من يدفع تكلفة التصعيد؟

الواقع أن المواطن العادي هو الذي يدفع الفاتورة الأكبر.

اقتصادياً ارتفاع أسعار السلع بسبب تعقيد سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل.

إنسانياً صعوبة السفر للعلاج أو التعليم أو العمل بالخارج، خاصة لمن يعتمدون على أبوظبي كمحطة عبور.

دبلوماسياً، فقدان الثقة الدولية في استقرار السودان وقدرته على إدارة علاقاته.

الحكومة تتحمل المسؤولية السياسية عن التصعيد، والإمارات تتحمل جزءاً من المسؤولية عن الرد الذي يضغط على الشعب أكثر من النخبة.

انقسام اللحمة السودانية بسبب الخطابات العنصرية

لم يعد الانقسام في السودان محصوراً في جبهات الحرب أو خطوط الإمداد، بل امتد إلى النسيج الاجتماعي نفسه. طبيعة الحرب الحالية، التي تركت مناطق آمنة نسبياً وأخرى مدمرة بالكامل، وضعت السودانيين في واقعين مختلفين لا يلتقيان، من يعيش تحت القصف اليومي لا يرى الحياة إلا من زاوية النجاة، بينما من يقيم في بيئة آمنة نسبياً ينشغل بمطالب ورفاهية قد تبدو بعيدة كل البعد عن معاناة الأولى.

هذا التباين في التجربة الحياتية غذّى الخطاب العنصري، حيث صار الانتماء الجغرافي أو الإثني معياراً للانحياز أو الاتهام. بل وصل الأمر إلى تبني مواقف رسمية أو شبه رسمية تُلمّح إلى فكرة “الوجوه الغريبة”، في إشارة تنزع الشرعية عن مواطنة بعض الفئات.

هذه اللغة الرعناء لم تكتف بتمزيق الوحدة الوطنية، بل ساهمت في إضعاف أي جبهة داخلية موحدة يمكن أن تشكل سنداً للموقف السوداني في الخارج. فالدولة التي تنقسم على نفسها داخلياً، وتشيطن جزءاً من شعبها، تفقد بالضرورة قدرتها على بناء تحالفات خارجية متماسكة، وتصبح عرضة للاستغلال من قبل القوى الإقليمية والدولية.

خاتمة

ربما آن الأوان لأن يُستمع لصوت الشارع في صياغة السياسات الخارجية، بحيث تعكس ما يمثّل تطلعاته ويحفظ مصالحه. فالدبلوماسية ليست ساحة لتصفية الحسابات، بل أداة لحماية الدولة في أضعف أوقاتها. وعندما تغيب هذه الرؤية، يصبح كل خلاف خارجي جبهة جديدة تُستنزف فيها طاقة البلاد وتُرهق فيها حياة مواطنيها.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com