دكتور الوليد آدم مادبو: من مادبو علي ذاك الفارس السخي إلى محمد إبراهيم هذا “البنجوز” الدعي!!

205
وليد مادبو

دكتور الوليد آدم مادبو

وإذا أُصيبَ القومُ في أخلاقِهم
فأقمْ عليهمْ مأتماً وعويلا
— أبي العلاء المعري

يبدو أن المدعو محمد إبراهيم مادبو قد استمرأ صمت الأسرة فاجترأ على رموز القبيلة، ثم تطاول أخيرًا علي شخصي وكأنه يملك من الرصيد ما يخوّله لمثل هذا المقام. وما كان عجبًا أن يفعل؛ فمن اعتاد أن يكون مخبرًا أمنيًا تافهًا، يؤدي المهام القذرة التي يتأفف منها “أولاد الناس”: مرة في تجارة مظلمة، ومرة في تكميم أفواه الخصوم. ولذا فهو لا يمكن أن يرى في الوطنية إلا سلعة مزجاة، ولا في الكتابة إلا وسيلة للتسلق والارتزاق.

لقد أراد أن يقدّم لي هذا الدعي دروسًا في الوطنية التي تشربتها في مجالس والدي قبل الكتب، كما تشربها هو من مجالس والده قبل الحزب. كان والدي يمضي بين طلاب الهندسة معلمًا وبين أرباب السياسة معلقًا، أما جدّي فكان يسير في البادية راعيًا قبل أن يجلس بين الناس قاضيًا. فما بين الأمير مادبو علي، ذاك الفارس السخي، وبين هذا الدعي، خمسة أجيال فصلت بينها عوامل الانحدار الأسري والتداعي الاجتماعي والضعة الاقتصادية المادية؛ فانقلب الاسم عبئًا على حامله، وصار الجهاز الأمني يجد فيه صيدة سمينة: اسم بلا رسم، وانتماء بلا كبرياء، مجرد فاقد تربوي جادت به ظروف التصحر البيئي والأخلاقي.

محمد هذا لم يكن سوى شخص طموح، متسلق ومتلهف إلى المال، يغطي به سوأته. كان وقتها يبحث عن “فكة ريق” يسعف بها حاله، فجلس على مقعد السائق عند الناظر محمود موسى مادبو، يقود سيارته في الخرطوم لمدة شهرين طمعًا في أن يوصله بحميدتي. غير أن حميدتي نفسه – وهو من خبر أوضاع البادية وأقدار الرجال – أعرض عنه، لأنه يعرف وزنه الحقيقي: يعرف أن بينه وبين الإمارة بُعد المشرقين وبُعد المغربين.

فبئس القرين الخائن، وبئس المخبر العائن، وبئس “البنجوز” الذي يحسب أن الإمارة تُنال بالادعاء، وأن الوطنية تُشترى بفتات موائد السلطة.

بعد اندلاع الحرب، لم يجد هذا “البنجوز” ما يملأ به فراغه إلا ادعاء الإمارة والتطوع لخدمة الفلول. فأي إمارة هذه التي تنبت في الخرطوم بين أوراق العوز وفتات موائد النخب الفاسدة؟ الإمارة مقام عزّ ومروءة، وهو لم ينل من عزّها إلا الحروف المكسورة التي يلوكها في مقالاته الحائرة وتسجيلاته البائرة.

أما كتاباته وتسجيلاته الصوتية، فلا عجب أن احتفى بها الفلول ونخب الخرطوم الجاهلة، وهم لا يدرون أن ما يقرأونه ليس فكرًا بل جهلًا مركبًا، وليس أدبًا بل ادعاءً كاذبًا. كقرين السوء، لا يدعى إلى فضيلة إلا ظنها رذيلة، ولا يلوح له الحق إلا باعه بثمن بخس في سوق الباطل الكاسد (اللوحة أعلاه للفنان الأستاذ حسن موسى).

إن معركتنا ليست مع أمثاله من الصغار، وإنما معركتان أكبر: الأولى تحرير الريف السوداني من المركزية الثقافية والفكرية، ومن الاستبداد السياسي والاقتصادي، ومن الهوية الأحادية ذات الميول الشرق أوسطية. والثانية إقامة دولة العدالة المؤسسية، حيث لا يُحتجز شخص بشبهة ولا يُعدم بريء بغير بينة كما ذُبح يحى شقيق “الأمير” محمد إبراهيم كالشاة من قبل الجياشة هذا العام، دون أن يستطع الأخير أن يخرج لنا ببيان أو تسجيل صوتي يوضح ملابسات الحادثة. لكنه، هذا المستلب، يذهب لمناصرة “الجلابة” في حربهم التي يقصدون بها استئصال شأفة “الغرابة” وإرجاعهم إلى حظيرة الطاعة.

بل ما فتئ هو يحدّث الناس عن النزل الفسيحة والإقامة المريحة لشخصي في الفنادق الأفريقية والباحات الغربية حتى ظننت أنها مذمة أو نعمة مستحدثة. قد تكون كذلك عند أولياء نعمته في بورتسودان – فقراء الشمالية – الذين استمتعوا بسرقة قوت أهل السودان، فاستقر الفقر في قلوبهم، وزادهم ذلك قسطًا من سخط الشعب وسوطًا من غضب الرب. أمثال نافع، والجاز، وأمين حسن عمر، وعلي عثمان، وعمر البشير… تلك الوجوه التي لا يليق بها إلا لعنة الله ولعنة التاريخ الموحشة.

ختامًا، لقد عقدت العرب راية للحرب، وأنّى لآل مادبو أن يتخلفوا عنها؟ سنخوض هذا المعترك حتى ترتفع راية الحق أو نهلك دونها. أما محمد إبراهيم، فلن يكون إلا شاهد زور على زمنٍ رخيص، وبنجوزًا تافهًا يقف على أعتاب الإمارة من الخارج، فلا يدخلها ولا يقترب من بهائها، كالغريب الضائع بين اللقب واللقمة.

ومع كل هذا الصراع، يبقى الوطن أغلى من نزاعاتنا، ودماء السودانيين أقدس من أي خلاف. فلنمدّ يدًا للصلح تحفظ شبابنا وتقي وطننا شر التمزق، قبل أن تتحول المعارك إلى جراح لا تُشفى.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com