منال علي محمود: إكليروس السودان في نسخته الواتسابية من محاكم التفتيش

122
منال على محمود

 منال علي محمود

📧 [email protected]

الإكليروس هم رجال الدين في أوروبا القرون الوسطى الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الإيمان، وأقاموا محاكم التفتيش لمحاكمة الناس بتهمة الهرطقة. واليوم نرى نسخة سودانية من تلك الملهاة السوداء، لكن عبر قروبات الواتساب التي توزع صكوك الوطنية وتسقط الجنسية بجرأة صبيانية.

في بلد بلا مؤسسات حقيقية، صارت قروبات الواتساب تقوم مقام الدولة. تنشأ تحت أسماء براقة مثل (إسقاط الجنسية) أو (كشف العملاء). تنشر قوائم، وتطلق أحكاما، وتقصي المختلفين. لا سند قانوني. لا محكمة. لا حق في الدفاع. فقط شهوات أفراد، تتغذى من الحقد والحسد.

المضحك المبكي أن هذه القروبات لم تقل شيئا حين كان عبد الله البشير يبيع الجنسية بعشرة آلاف دولار. لكنها اليوم تحاكم بالهواتف، وتلغي الهوية بالضحك والتصفيق.

وأنا نفسي كنت هدفا. اسمي كُتب ضمن قوائم الإقصاء. قالوا إن مجرد رأيي يكفي لإسقاط هويتي. أي عبث هذا؟ الهوية ليست منحة من قروب، ولا بطاقة تمزقها أصابع مجهولة. إنها حق يولد مع الإنسان، لا تُصادر إلا بسلطة قضائية عليا، وفي حالات محددة نص عليها القانون.

الأخطر أن ترهل الدولة أوحى لهؤلاء بأنهم محكمة دستورية. الهواتف صارت منصة أحكام. الوطن يُدار بالنسخ واللصق. وهل يمكن أن يبلغ العبث أعلى من ذلك؟

من المهم أن يعرف الناس أن إسقاط الجنسية لا يتم إلا عبر القانون: بقرار من المحكمة العليا أو بمرسوم قضائي يستند إلى الدستور، وفي حالات قصوى مثل الخيانة العظمى أو التجنّس المزدوج غير المشروع. أي ممارسة خارج ذلك هي جريمة صريحة: تشهير، تحريض، وانتحال سلطات الدولة. كلها جرائم يعاقب عليها القانون الجنائي السوداني، كما تعاقب عليها مواثيق حقوق الإنسان الدولية.

لا تتم ممارسة هكذا عبث إلا على شعب يجهل حقوقه وواجباته. فلو عرف الناس أن لهم درعاً من القانون، لما تجرأ نفر من شواذ الآفاق على محاكمتهم في قروبات. والمتضرر أمامه عدة خيارات:

التقدم ببلاغ لدى النيابة العامة داخل السودان بتهمة التشهير أو انتحال سلطات الدولة.

رفع دعوى مدنية يطالب فيها بالتعويض عن الضرر المعنوي.

اللجوء إلى المحكمة الدستورية إذا تعلق الأمر بقرارات رسمية تمس الجنسية أو الهوية.

وإذا تعذر الإنصاف داخل السودان، يمكنه أن يطرق أبواب العدالة الدولية عبر المقرر الخاص لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، أو اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، مستنداً إلى المواثيق الدولية التي تحمي حق الإنسان في جنسيته وهويته.

هذا العبث ليس جديدا في التاريخ. محاكم التفتيش في أوروبا سحقت أرواح الناس بتهم واهية كالهرطقة والسحر. في القرن العشرين، المكارثية في أمريكا دمّرت حياة آلاف الناس بمجرد وشايات واتهامات فضفاضة بالشيوعية. واليوم نعيد إنتاج ذات الآلية في نسخة واتسابية سودانية: وشايات، قوائم، وأحكام بلا قضاة.

حتى الإنكليز، زمن الاحتلال، كتبوا أن (السودانيين شعب لن ينجح بسبب الحسد). كلماتهم تعود إلينا الآن، ونحن نكفر بعضنا بعضا، ونطرد أنفسنا من الوطن بأصابع مجهولة خلف الشاشات.

الخاتمة

الدولة التي تسمح بأن تتحول قضية الجنسية إلى لهو في قروبات، هي دولة بلا هيبة. والوطن الذي يترك هويته رهينة أمزجة أفراد، وطن ضائع.

الجنسية لا تسقط بقرار إلكتروني. لكنها تهان عندما نصمت. والصمت جريمة.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com