اسامة عبدالله: الدمار الممنهج في السودان: من إرث الاستعمار إلى حكم الكيزان وتناقضات الحوري
اسامة عبدالله احمد
في مقابلة تلفزيونية أجرتها قناة الجزيرة مباشر مع العقيد ركن إبراهيم الحوري، الناطق باسم القوات المسلحة السودانية، مع المذيع أحمد طه، كشفت المناقشات عن تناقضات صارخة في خطاب الحوري.
ظهر الحوري كشخصية ضعيفة، غير قادرة على تقديم إجابات مترابطة، بل مليئة بالكذب والتناقضات، مما أثار استغراب الجمهور.
في هذه المقابلة، نفى الحوري صلة القوات المسلحة بحزب المؤتمر الوطني أو “الكيزان”، رغم أن الرئيس السابق عمر البشير، الذي كان رئيساً للحزب، أعلن صراحة في مقابلة سابقة على الجزيرة أن نظامه حركة إسلامية.
هذا التناقض يعكس محاولة للتنصل من الكيزان، حيث يدعي الحوري تارة أن القوات المسلحة مؤسسة عمرها مائة عام تحارب “الخونة” من الأحزاب السياسية والتحالفات مع الدعم السريع، وتارة أخرى أنها حركة إسلامية تدافع عن كرامة الوطن ضد الدعم السريع.
هذه التصريحات ليست مجرد خطأ فردي، بل تعبر عن أزمة أعمق في السودان: دمار مستمر بدأ من إرث الاستعمار، وأكمله “الكيزان” خلال حكمهم الذي امتد لما يقارب الأربعين عاماً، مما أصاب النسيج الاجتماعي بجراح عميقة.
الدور التدميري للقوات المسلحة: وليدة المستعمر وأداة للقمع الداخلي
نشأت القوات المسلحة السودانية في عام 1925 على يد الاحتلال البريطاني-المصري، كقوة دفاع سودانية (SDF) للحفاظ على الحدود و قمع الاضطرابات المدنية، مما يجعلها فعلياً “وليدة المستعمر” كما يصفها النقاد.
لم تكن هذه القوات مصممة للدفاع عن السيادة الوطنية بقدر ما كانت أداة للسيطرة الاستعمارية، واستمرت في هذا الدور بعد الاستقلال عام 1956. شاركت في حروب خارجية مثل حرب فلسطين 1948 وحرب أكتوبر 1973، لكن دورها الداخلي كان أكثر تدميراً.
على سبيل المثال، لعب الجيش دوراً رئيسياً في الانقلابات العسكرية المتكررة، مثل انقلاب 1958، 1969، و1989 الذي أوصل عمر البشير إلى السلطة، مما أدى إلى قمع الديمقراطية و القضاء على فترات الحكم المدني القصيرة.
في الصراعات الداخلية، ساهمت القوات المسلحة في التدمير الواسع للسودان، خاصة في دارفور حيث ارتكبت جرائم حرب وإبادة جماعية ضد السكان المحليين، مما أدى إلى نزوح ملايين وتفكيك المجتمعات.
اليوم، في الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 مع قوات الدعم السريع، أدت عمليات الجيش إلى تدمير البنية التحتية، قتل المدنيين، وتعزيز الانقسامات العرقية، مما يعكس استمرار إرثها التدميري بدلاً من حماية الوطن. هذا الدور لم يكن دفاعياً، بل أداة للحفاظ على السلطة، مما يفسر تناقضات الحوري في المقابلة، حيث يحاول تصويرها كمؤسسة وطنية بينما تاريخها مليء بالقمع.
اكمال الدمار: حكم الكيزان لأربعين عاماً من الفساد والحروب
أكمل “الكيزان” الدمار الذي بدأه الاستعمار. بدأ حكمهم بانقلاب 1989 بقيادة عمر البشير بدعم حسن الترابي، تحت شعارات إسلامية، لكنه تحول إلى نظام استبدادي امتد لثلاثة عقود، مليئة بالظلم والحروب.
خلال هذه الفترة، دمروا الاقتصاد من خلال الفساد الممنهج، حيث نهبوا موارد الدولة وأفقروا الشعب، مما أدى إلى انفصال جنوب السودان عام 2011 بعد حرب أهلية طويلة قتلت الملايين.
في دارفور، شجع الكيزان على تشكيل المليشيات، مما أدى إلى مجازر جماعية وتشريد ملايين، كما في مذابح 2003-2005.
هذا الحكم لم يكن دينياً، بل تجارة بالدين، حيث استخدموا الإسلام لتبرير القمع، مما أدى إلى تدمير الاقتصاد، الفن، الأخلاق، والرياضة.
تناقضات الحوري في المقابلة تعكس هذا الإرث: نفي الصلة بالكيزان رغم أن البشير كان يعلنها صراحة، مما يظهر محاولة للتنصل من فشل دام لما يقارب الأربعين عاماً.
الدمار الاجتماعي: تمزيق النسيج السوداني
أصاب هذا الدمار النسيج الاجتماعي السوداني بجراح لا تلتئم، حيث تحولت الحروب والصراعات إلى انقسامات عرقية وقبلية عميقة. في دارفور، أدى الصراع إلى تقسيم القبائل وتعذر التعايش، مما غير البنية المجتمعية إلى كيانات وظيفية تخدم الأطراف المتصارعة.
الحرب الحالية بين الجيش والدعم السريع، ادت إلى نزوح 10 ملايين وموت الآلاف، وتفاقم الكراهية العرقية.
تفاقمت الأزمة الإنسانية، مع تدمير البنية التحتية مثل المستشفيات والمدارس، مما أضعف الروابط الأسرية والمجتمعية، وزاد من الفقر والعنف.
هذا التمزيق ليس مصادفة، بل نتيجة سياسات الكيزان والجيش التي استخدمت القبلية والدين للتحكم، مما غير هوية المجتمع من التعايش إلى التناحر.
على السودانيين حسم العبث للنهوض
يظهر تناقض الحوري في المقابلة مع أحمد طه كرمز لأزمة السودان: مؤسسات تتنصل من إرثها التدميري بينما تستمر فيه.
الدمار الذي بدأته القوات المسلحة كوليدة المستعمر، وأكمله الكيزان بحروبهم وفسادهم، أصاب النسيج الاجتماعي بانهيار كامل.
على السودانيين حسم هذا العبث بمحاسبة المسؤولين عن عقود من الدمار و بناء مؤسسات ديمقراطية، وإعادة بناء الوحدة الاجتماعية. فقط عندها يمكن للسودان النهوض من رماده.
