منال علي محمود: بل بس .. أينما حلت أغرقت!!

143
منال على محمود

منال علي محمود

[email protected]

(بل بس) لم يكن مجرد هتاف. في افطارات رمضان، كان الاسلامويون يوعدون الشعب بمصير سوريا والعراق واليمن، وهم يوزعون وعودهم كما لو كانت وجبات جاهزة. واليوم يعود الشعار نفسه، ولكن على هيئة اخرى: مياه بلا عقل ولا ادارة.

المشهد امامنا واضح: مدن وقرى غمرتها السيول دون ان ترى مطرا. الخرطوم، الجزيرة، القضارف.. كلها غرقت تحت موجة لا تفسير لها الا سوء الادارة. فتح بوابات سد النهضة كما لو كانت حنفية في يد طفل، تخزين المياه دون حساب، ثم اطلاقها دفعة واحدة لتجرف في طريقها الناس والمزارع والبيوت. اسوأ كوابيسنا ان ظلت بوابات سد النهضة فاتحة طوال الوقت وحالنا بل بس المعهوده.

وكأن هذا لا يكفي، يقف سد النهضة هناك مثل قنبلة مؤجلة. قيل لنا انه سيحمي من الفيضانات، لكنه في الحقيقة قادر ان يغرق السودان او يعطشه متى شاءت السياسة الاثيوبية. نحن عالقون بين فيضان مفتعل وعطش محتمل، في بلد لا يملك حتى بنية تحتية تحتمل مطرا عاديا.

وليس هذا بجديد: في 1988 غرقت الخرطوم باامطار استمرت ساعات، انهارت البنية التحتية وكشف الغرق هشاشة الدولة. وفي 2020 تكرر المشهد بسيول وفيضانات حطمت اكثر من 100 الف منزل. بين هذه السنوات، لم يتغير شيء سوى وجوه الحكام. الازمات تتكرر لان العقل غائب، والدرس لا يستوعب.

لكن بينما تغرق البلاد، يواصل البعض ترديد الاسطوانة القديمة: سلة غذاء العالم. اي سلة هذه؟ سلة ثقوبها اكبر من ان تمسك حبة قمح. اي غذاء؟ والناس يغرقون على ضفاف النيل ويشربون ماء ملوثا من حفر مكشوفة. هذا الشعار لم يعد سوى نكتة سمجة يلوكها السياسيون لتغطية فشلهم.

انظروا الى اثيوبيا: استثمرت في سد النهضة رغم الفقر والحصار. انظروا الى مصر: شبكة ترع ومشاريع ري امتدت منذ عهد محمد علي، جعلتها قادرة على استثمار كل قطرة.

بينما نحن عاجزون عن استخدام حصتنا من المياه، لان لا بنية تحتية لنا، واي نقطة ستكون بل بس.. تلك العقلية التي اغرقتنا في صحراء العقول.

المأساة ان كل هذا الجهد المبذول في الحرب، والذي ينتهي دائما بتوقيع سلام بعد ان يموت الاف ويشرّد ملايين، كان يمكن ان يبذل في شيء اخر. كم جنديا قتل بلا معنى؟ كم مليار صرف على الرصاص والدانات؟ كل هذا الجهد لو وُجه لمشروع قومي لشق الترع نحو كردفان ودارفور، او لتوسعة سد سنار، او لتعمير وادي المقدم.. لكان السودان اليوم في موقع اخر. وهذه ليست احلاما. شق الترع يحتاج لجرافات وخطة، لا لمعجزات. وادي المقدم يمكن ان يتحول الى خط دفاع طبيعي ضد السيول. توسعة السدود ممكنة بموارد اقل مما يهدر في حرب واحدة.

والاخطر ان الكارثة لا تقف عند حاضرنا. ما نضيعه اليوم يخصم من حساب الاجيال القادمة. اطفال السودان يحرمون من مستقبل آمن، من حقهم في ماء نظيف وزراعة مستدامة. اذا كان حاضرنا مشوها، فلا اقل من ان نكف عن سرقة مستقبلهم.

الحقيقة ليست خافية:

السودان يملك النيل: لكنه يغرق فيه.

يملك الارض: لكنه يجوع فوقها.

يملك السدود: لكنها تتحول الى قنابل.

انها أزمة عقول وليست أزمة مياه. أزمة سلطة ترى في الحرب مكسبا وفي السلم خسارة، بينما الشعب يترك غارقا في الطين.

(بل بس.. اينما حلت اغرقت). هذه ليست نغمة للتندر ولا شعارا فارغا، بل تحذير مكتوب على جدار هذا الوطن: ان لم نوقف اهدار الجهد في الحروب ونحوّله الى بناء وتنمية، فالماء سيظل يغرقنا، والدم سيظل يلاحقنا، والبلد ستظل رهينة العبث.

ودون الاستعداد لتدفق مياه هائل، صدفة ام عمدا، فإنه بل بس كما ارادوها.

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com