تفكيك حركة مناوي: كيف كتبت استخبارات الجيش الفصل الأخير في مسيرة الرجل المتمرد؟ .. وكيف خسر الإقليم والرجال والحركة نفسها؟
في دهاليز السياسة السودانية، حيث تتقاطع المصالح مع الخيانات، وتتحول التحالفات إلى أفخاخ، يواجه مني أركو مناوي أخطر اختبار في مسيرته، ولم تعد معركته مع الدعم السريع وحدها، بل معركة صامتة أخطر تدار داخل أروقة الجيش والاستخبارات، هدفها واضح، هو تفكيك حركته وتشليع نفوذه حجراً بعد حجر، وما بدأ بخلافات داخلية وقرارات مرتبكة، تطور إلى خطة ممنهجة تنفذ بصبر وهدوء، لاقتلاع “الرجل المتمرد” من جذوره، وتحويله من قائد ميداني يملك مشروعاً سياسياً، إلى مجرد ورقة تستخدم ثم تلقى جانباً.
تقرير خاص – بلو نيوز الإخبارية
تضيق الدائرة على مناوي
لم تعد التطورات في فلك معسكرات الجيش والقوات المشتركة مجرد إشارات عابرة أو مؤشرات سطحية، بل تحولت إلى حقائق دامغة تؤكد أن حركة مني أركو مناوي تتعرض لعملية تفكيك ممنهجة ومنسقة، والعملية تدار بخبرة استخباراتية عالية، حيث تتداخل خيوطها بين المال والانقسامات القبلية، والتحركات الميدانية المدروسة بعناية، لتفكيك أسس القوة الداخلية للحركة من جذورها.
وما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف سياسي عابر، ولا أزمة مرحلية يمكن تجاوزها بسهولة، بل هو إعدام بطيء ومدروس لزعيم طالما اعتبر نفسه “الرجل المتمرد”، والدائرة تضيق عليه يوماً بعد يوم، والضغط يتزايد من كل جانب، ليجد نفسه محاصراً بين قيود الداخل، واستراتيجية الجيش المحكمة، حتى صار وجوده مجرد ظل لما كان عليه في السابق، في لعبة أكبر وأعمق بكثير مما كان يتصور.
معسكر زمزم: أول شرخ في الجدار
في معسكر زمزم، حيث كان المقاتلون يستعدون لصد هجمات الدعم السريع، اتخذ مني أركو مناوي قراراً مثيراً للجدل، حيث رفض تزويد قواته بالأسلحة الثقيلة، ولم يكن العائق ندرة السلاح ولا ضعف الموارد، بل هاجس أكبر يسيطر عليه، هو الخوف من أن تتحول البنادق إلى جواز عبور نحو معسكر غريمه اللدود بخيت دبجو، وبهذا القرار، لم يضعف مناوي قدرة قواته على الصمود فحسب، بل كشف عن أولوياته الحقيقية؛ أنه يرى في شبح الانقسام الداخلي خطراً أعظم من الهزيمة في ساحة المعركة، ولقد فضل أن يحرم جنوده من أدوات القتال على أن يخسر ولاءهم، كاشفاً عن أزمة قيادة عميقة تجعل خوفه من الانشقاقات أقوى من رغبته في النصر.
رصد استخباري وحذر مريب
تصريحات مني أركو مناوي المتكررة عن نفسه بوصفه “الرجل المتمرد”، إلى جانب التسريبات المتلاحقة عن اتصالاته مع قوات الدعم السريع، رسمت في أعين الاستخبارات العسكرية صورة واضحة عن خطر محتمل لا يمكن تجاهله، وهذه المؤشرات لم تترك للصدفة، بل قادت إلى قرار حاسم داخل دوائر الجيش: يجب تفكيك حركة مناوي قبل أن تتحول إلى قوة مستقلة تمتلك القدرة على قلب الطاولة، أو أن تصبح خصماً محتملاً للجيش نفسه، ولقد صار المناخ السياسي والميداني بالنسبة للاستخبارات يشبه لعبة الشطرنج، وكل خطوة لمناوي ترصد، وكل تصريح يحلل، وكل تحرك يفسر كإشارة تحذيرية، ما يجعل هدفهم النهائي واضحاً ومحدداً، وتذويب الحركة قبل أن تصبح تهديداً حقيقياً، والسيطرة على كل مكونات قوتها قبل أن تتحرك خارج نطاق السيطرة.
دبجو .. التجربة المعاد تدويرها
استيعاب الجيش للقائد السابق بخيت دبجو وتحويله إلى ضابط نشط في صفوفه كان نموذجاً ضمن إستراتيجية الاستخبارات، خلق الانقسام العشائري داخل حركة مناوي، من ما منح الجيش فرصة، حيث تسيطر أسرة مناوي على القرار المالي والسياسي، بينما تدفع بقية الأسر إلى خطوط القتال بلا قدرة على التأثير في مصير الحركة، وهذا الواقع خلق شرخاً داخلياً عميقاً، أعاد إنتاج السيناريو نفسه الذي وقع مع دبجو، لكن هذه المرة تحت إدارة محكمة من استخبارات الجيش، التي تستثمر الانقسامات لصالحها، مخططة مسبقاً لإضعاف السلطة المركزية لمناوي، وتهيئة الأرضية لتفكيك حركته تدريجياً من الداخل، دون أن يتحرك ضدها أي عنصر قادر على مقاومة هذا المخطط المحكم.
مناوي بين الحياد والانحياز الخاطئ
حين فرض على مني أركو مناوي فك الحياد والانحياز إلى الجيش، ظن أن تلك الخطوة ستؤمن له البقاء وتحمي موقعه القيادي، لكنه لم يكن يدرك أن الحسابات السياسية والميدانية كانت ضده. فقد خسر منصبه الفعلي كحاكم لإقليم دارفور، واكتفى بالاسم والظل، بينما تراجع نفوذه السياسي إلى حده الأدنى، وعلى الأرض كان المشهد أكثر قسوة، حيث استنزفت قواته في المعارك، وخيرة مقاتليه سقطوا في ساحات القتال، بينما الجيش يتحرك بهدوء ومن دون ضجيج نحو عزله النهائي، مستغلاً كل خطوة خاطئة، وكل قرار ضعيف، ليحول الرجل المتمرد إلى مجرد ظل لقوة أكبر تسيطر على مصيره ومصير حركته.
تطويق في عمق كردفان
القوات التي كانت منتشرة على أطراف الصحراء، والتي منحها وجودها يوماً ما هامشاً من الحرية وصمام أمان استراتيجي لمناوي، لم تعد اليوم تمثل سوى ذكرى عن قدرة الماضي على المناورة. فقد سحبت تدريجياً إلى عمق كردفان، بعيداً عن خطوط الإمداد والمناطق التي يمكن أن توفر متنفساً أو طريقاً للانسحاب، ليصبح موقعها أكثر عرضة للسيطرة والمراقبة، وبهذا الانتقال، لم يعد القرار العسكري بيد مني أركو مناوي، رئيس الحركة وقائدها، بل صار حصراً في أيدي الاستخبارات العسكرية للجيش، التي أحكمت الطوق حول قواته ومناطق نفوذه، وصار كل تحرك له مراقباً، وكل خطوة محسوبة بدقة، حتى أصبح الرجل المتمرد محاصراً في شبكة محكمة، لا يستطيع التحرك إلا ضمن حدود وضعتها له أجهزة تفوقه تنظيماً وقوة.
شبكة التناقضات .. والسر المكشوف
سعى مني أركو مناوي إلى التقارب مع الفريق شمس الدين كباشي، وعقد معه عدة اجتماعات سرية، ظناً أنها ستمنحه مساحة مناورة وتعزز موقعه داخل دوائر الجيش، ولكن المناورة تحولت سريعاً إلى فخ محكم، إذ نقل كباشي كل تفاصيل اللقاء إلى القائد العام عبد الفتاح البرهان، ومنذ تلك اللحظة، صار ملفه تحت إدارة محكمة لدى الاستخبارات، ويشرف عليها ياسر العطا وعلي كرتي، بينما اُستخدم وزير المعادن أبونمو كأداة ثانوية للضغط، وأصبحت كل قراراته تؤجل ومطالبه تسوف بلا هوادة.
والأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد عبر مناوي بنفسه عن استياءه من ظاهرة تسريب الاجتماعات الداخلية والأسرار الخاصة، مشتكياً من اختراق ثقته ومن قدرة أطراف داخل القوات المشتركة على الوصول إلى كل تحركاته وكواليسه، وهذا التسرب المستمر كشف حجم الخطر الذي يواجهه: كل كلمة، وكل خطة، كانت تصل إلى الصحافة وإلى الاستخبارات، وجعل ساحة القرار خارج متناوله، وحركته تحت المراقبة الدائمة.
وفي هذا السياق، طرح السؤال الأكثر مرا على نفسه، من الذي يسرب أسراره؟ وكانت الإجابة صادمة: أطراف داخل القوات المشتركة نفسها، شركاؤه المفترضون، لم يعودوا يرون ضرورة لبقائه، وبدأوا يتعاملون معه كعنصر مؤقت، حاجز يجب إزالته، وورقة يمكن استنزافها لتحقيق مصالح أكبر تابعة للجيش.
الطعم: نور الدائم
لعب الجيش ورقة استراتيجية بارعة عبر شخصية نور الدائم، حين رفض تعيينه في منصب وزير المعادن، وهو يدرك تماماً أن مني أركو مناوي سيصر على هذا التعيين بعناد، وفعلاً، وقع مناوي في الفخ الذي نصب له ببراعة، والقبول بهذا الاسم لم يكن مجرد قرار إداري، بل وقوداً أشعل الانقسام داخل الحركة، وفتح الباب على مصراعيه أمام اتهامات بالارتباط بصفقات مشبوهة، في ظل تداول الحديث عن ملايين الدولارات التي تلقاها مناوي، والتي تحولت إلى استثمارات في دبي وتركيا وكينيا، بعيداً عن ساحات المعارك والمقاتلين الذين يفدون لحماية الحركة.
وهنا تكشف المأساة الحقيقية، وهو ان الضباط المخلصون، الذين بذلوا أرواحهم في الميدان، وجدوا أنفسهم يتساءلون بصوت داخلي مرير: لماذا نقاتل بينما تستثمر أموالنا في الخارج؟، وهذا الاستياء لم يكن مجرد شعور فردي، بل أداة إضافية لإضعاف اللحمة الداخلية للحركة، وجعل الولاءات مهددة بالانقسام، بما يخدم خطة الجيش في تفكيك قيادة مناوي من الداخل.
ثلاث تيارات داخل حركة واحدة
لم تترك الاستخبارات العسكرية أي ثغرة للحركة، فقررت إعادة هندسة الحركة على نحو دقيق، مقسمة إياها إلى ثلاث مجموعات متوازية، كل منها تحت إشراف مختلف، لضمان تفكيك السلطة المركزية والسيطرة على كل أبعادها، وحيث تم إسناد مهام العسكريون تحت اشراف قيادة شمس الدين كباشي وصبير، مسؤولون عن جميع التحركات الميدانية والقدرات القتالية، مع رقابة دقيقة على ولاء الضباط والجنود، والسياسيون تحت اشراف مباشر من الفريق عبد الفتاح البرهان، للتأكد من أن كل القرارات السياسية والتفاهمات الخارجية تسير وفق مصالح الجيش، اما مناوي ونور الدائم، خاضعون بالكامل لاشراف ياسر العطا وعلي كرتي، بحيث يحكم قبضتهم على جميع أنشطتهم، المالية والسياسية، ويجردونهم تدريجياً من أي نفوذ حقيقي.
وهذا التقسيم لم يكن مجرد تنظيماً إدارياً تقليدياً، بل خطة استراتيجية محكمة ومقصودة، تهدف إلى تفكيك مركزية القرار داخل الحركة نفسها، وإضعاف نفوذ مناوي حتى داخل بيته، ليصبح قيادياً بلا أدوات حقيقية، وتذوب سلطته تدريجياً تحت إشراف وتخطيط استخبارات الجيش.
الخطة القادمة: دبجو في الواجهة
المرحلة المقبلة تبدو أكثر وضوحاً وحسما من أي وقت مضى. يعمل ياسر العطا على عقد تحالف استراتيجي مع القلي قرقي، بينما يكلف بخيت دبجو بمهمة دمج قوات جديدة داخل الجيش، في خطوة مدروسة تهدف إلى إفراغ حركة مناوي من عناصرها الأكثر ولاءً له وبناء تحالف بديل أكثر انضباطاً وولاءً للجيش، وفي هذا السيناريو، تصبح القيادة الميدانية لدبجو واجهة للعملية، فيما يتحكم العطا في كل الخيوط من وراء الستار، ضامناً أن تكون كل قرارات الحركة والسيطرة على القوات في يده.
وبهذه الخطوة تختتم رحلة حركة ولدت في البداية لمواجهة نظام الإسلاميين، لكنها تجد نفسها اليوم تذوب بين يدي ذات النظام الذي كانت تحاربه، لتصبح أدواتها وأفرادها مجرد قطع على رقعة شطرنج استراتيجية تتحرك وفق خطط الجيش والاستخبارات، بعيداً عن إرادة قيادتها الأصلية.
النهاية المؤجلة
اليوم، لم يعد مناوي يخسر الإقليم أو نفوذه السياسي فحسب، بل بات على شفا فقدان الحركة التي أسسها وبناها بعناء سنوات طويلة، والاستخبارات العسكرية تمضي بخطوات محسوبة وهادئة، لا تتعجل القرارات ولا تظهر عجلة، لكنها في الوقت نفسه لا تتراجع عن هدفها في تفكيك قيادة الرجل المتمرد، خطوة بعد خطوة، حتى يتحقق المخطط بالكامل.
وفي هذا السياق، صار مني أركو مناوي، الرجل الذي عرفه الجميع بالتمرد والإصرار، مجرد أداة مؤقتة في لعبة أكبر منه بكثير، قطعة على رقعة شطرنج استراتيجية تحركها قوى وأجهزة خارج إرادته، محددة خطواته ومصيره قبل أن يتمكن من اتخاذ أي قرار مستقل، وهكذا، بينما يعتقد أنه ما زال في قلب المعركة، يكتشف تدريجياً أن دوره أصبح هامشياً، وأن اللعبة الأكبر قد خطت خطواتها بعيداً عنه.
