من تنقية المياه إلى شبهة الاستخدام العسكري: تساؤلات حول صفقة الكلور في السودان

103
kolor

في خضم حرب معقدة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والإنسانية، برز ملف استيراد مادة الكلور في السودان كقضية تتجاوز حدود الخدمات الأساسية إلى دائرة التساؤلات الاستراتيجية. فقرار حصر استيراد هذه المادة الحيوية—الأساسية لتنقية مياه الشرب-في جهة عسكرية، أثار مخاوف متزايدة بشأن الشفافية وإدارة الموارد في زمن النزاع، لا سيما في ظل تقارير سابقة عن استخدام محتمل لمواد ذات طابع كيميائي في العمليات العسكرية. وبين الحاجة الملحّة لتأمين المياه للملايين، ومخاطر الاستخدام المزدوج لهذه المادة، تتكشف تفاصيل قضية تعكس تعقيدات المشهد السوداني الراهن، وتفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول المساءلة والرقابة في سياق حرب لم تضع أوزارها بعد.

 تقرير خاص – بلو نيوز

يثير قرار حديث يتعلق باستيراد مادة الكلور في السودان تساؤلات متزايدة حول إدارة الموارد الحيوية في زمن الحرب، واحتمالات استخدام مواد ذات طابع مزدوج في سياقات غير مدنية.

ففي الوقت الذي تُعد فيه مادة الكلور عنصرًا أساسيًا في تنقية مياه الشرب، فإن طبيعتها الكيميائية تضعها أيضًا ضمن المواد التي يمكن توظيفها، في ظروف معينة، في تطبيقات عسكرية، وهو ما يضفي حساسية خاصة على أي ترتيبات تتعلق باستيرادها وتوزيعها.

بداية القضية .. مناقصة رسمية وفق الإجراءات

تعود تفاصيل القضية إلى إعلان صادر عن “هيئة مياه ولاية الخرطوم” في وقت سابق من العام الجاري، طرحت بموجبه عطاءين منفصلين لتوريد غاز الكلور المسال ومادة “بولي ألمنيوم كلوريد”، وكلاهما يُستخدم في معالجة مياه الشرب.

وبحسب إفادات قانونية حصل عليها التقرير، جرت العملية في بدايتها وفق الإجراءات المعمول بها، حيث تقدمت عدة شركات للمنافسة بعد استيفاء الشروط المطلوبة، وتم فتح المظاريف بحضور ممثليها، تلا ذلك تقييم العروض الفنية والمالية من قبل لجنة مختصة، وبحلول تلك المرحلة، كانت الشركات تنتظر إعلان النتائج النهائية، في سياق بدا أنه يسير وفق المسار الإداري المعتاد.

تحول في المسار .. قرار بحصر الاستيراد

غير أن مسار العملية شهد تحولًا مفاجئًا، حيث تشير مصادر قانونية وحقوقية إلى صدور توجيه يقضي بحصر استيراد غاز الكلور في جهة واحدة، هي “منظومة الصناعات الدفاعية”، وهي مؤسسة مرتبطة بالجيش السوداني.

تحول مسار مناقصة رسمية لتوريد مواد تنقية المياه في السودان بشكل مفاجئ، بعد قرار بحصر استيراد غاز الكلور في جهة عسكرية، ما أثار تساؤلات حول الشفافية وإدارة الموارد الحيوية في ظل النزاع المستمر.

ووفق هذه الإفادات، أدى القرار إلى استبعاد الشركات الخاصة من المنافسة، وتحويل عملية الاستيراد إلى احتكار مؤسسي، وهو ما أثار تساؤلات حول مبررات هذا التحول وتوقيته. ولم يصدر تعليق رسمي مفصل يوضح أسباب هذا القرار أو دوافعه حتى وقت إعداد هذا التقرير.

بين الاستخدام المدني والمخاوف الأمنية

تكتسب هذه الخطوة حساسية إضافية بالنظر إلى طبيعة مادة الكلور، التي تُصنف ضمن المواد ذات الاستخدام المزدوج. فهي تُستخدم على نطاق واسع في تنقية المياه، لكنها قد تدخل أيضًا في تصنيع مواد كيميائية ضارة إذا ما أسيء استخدامها.

يعد الكلور من المواد ذات الاستخدام المزدوج، إذ يُستخدم في تنقية المياه، لكنه قد يُوظف أيضًا في تطبيقات كيميائية ضارة، ما يجعل أي قرار يتعلق باحتكار استيراده موضع اهتمام ومساءلة، خاصة في سياق حرب مفتوحة.

وفي هذا السياق، ترى جهات حقوقية أن حصر استيراد هذه المادة في جهة عسكرية يثير تساؤلات مشروعة حول آليات الرقابة والاستخدام، خاصة في ظل النزاع المسلح الدائر في البلاد.

اتهامات سابقة وسياق أوسع

تأتي هذه التطورات في ظل تقارير سابقة تحدثت عن مزاعم استخدام مواد كيميائية في مناطق مختلفة من السودان خلال النزاع الحالي، وهي مزاعم لم يتم التحقق منها بشكل مستقل في جميع الحالات، لكنها كانت محل اهتمام منظمات دولية ووسائل إعلام. كما أشارت تحقيقات صحفية دولية، من بينها تقرير لقناة “فرانس 24” عام 2024، إلى حوادث يُشتبه في ارتباطها باستخدام غاز الكلور في مناطق قريبة من منشآت حيوية، في سياق العمليات العسكرية.

منظومة الصناعات الدفاعية تحت المجهر

تُعد “منظومة الصناعات الدفاعية” أحد أبرز الفاعلين في قطاع التصنيع العسكري في السودان، وقد خضعت لعقوبات دولية في وقت سابق.

تشير إفادات قانونية إلى أن شركات تقدمت بعطاءات رسمية وفق الإجراءات، قبل أن يتم استبعادها بقرار لاحق، ما يطرح تساؤلات حول مبررات تغيير مسار المناقصة وتوقيته، ومدى توافقه مع القوانين المنظمة للمشتريات العامة.

وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في أكتوبر 2024 فرض عقوبات على مديرها العام، مشيرة إلى دوره في عمليات شراء معدات عسكرية، بما في ذلك طائرات مسيّرة، في وقت كانت فيه الدعوات الدولية تركز على وقف التصعيد والعودة إلى مسار الحل السياسي.

مخاوف حقوقية ودعوات للشفافية

ترى جهات حقوقية أن تداخل الأدوار بين الاستخدامات المدنية والعسكرية لمواد مثل الكلور يستدعي قدرًا أكبر من الشفافية، خاصة فيما يتعلق بسلاسل التوريد وآليات الرقابة.

تأتي هذه التطورات في ظل تقارير دولية سابقة تحدثت عن مزاعم استخدام مواد كيميائية في النزاع السوداني، وهو ما يضفي حساسية إضافية على ملف استيراد الكلور، ويدفع إلى المطالبة بآليات رقابة أكثر شفافية واستقلالية.

كما تدعو هذه الجهات إلى ضمان عدم توظيف المواد الحيوية في أي أنشطة قد تنتهك القانون الدولي الإنساني، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على وصول المدنيين إلى خدمات أساسية، وعلى رأسها مياه الشرب الآمنة.

السياق السياسي والعسكري

يتزامن هذا الملف مع تصاعد الخطاب السياسي والعسكري في السودان، حيث صدرت في الآونة الأخيرة تصريحات من بعض الفاعلين تدعو إلى تصعيد العمليات العسكرية، وهو ما يثير مخاوف إضافية بشأن طبيعة الوسائل المستخدمة في النزاع.

ترى جهات حقوقية أن إدارة المواد الحيوية في أوقات النزاع تتطلب وضوحًا أكبر في سلاسل التوريد والاستخدام، لضمان عدم توظيفها في أنشطة قد تنتهك القانون الدولي، مع الحفاظ على حق المدنيين في الحصول على مياه آمنة.

ويرى محللون أن هذه التطورات يجب النظر إليها ضمن سياق أوسع يشمل ديناميكيات الحرب، وتوازنات القوى، والتحديات التي تواجه مؤسسات الدولة في ظل الانقسام والصراع المستمر.

وفي ضوء هذه المعطيات، تظل عدة تساؤلات مطروحة هي “ما مبررات حصر استيراد مادة حيوية في جهة عسكرية؟، ما الضمانات المتوفرة لضمان استخدامها في الأغراض المدنية فقط؟، وهل توجد آليات رقابة مستقلة على هذه العمليات؟” وحتى الآن، لا تتوفر إجابات واضحة على هذه الأسئلة، ما يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من التدقيق والمتابعة.

في ظل غياب توضيحات رسمية كافية، تبقى أسئلة أساسية دون إجابة، من بينها دوافع حصر الاستيراد في جهة واحدة، والضمانات المتاحة للاستخدام المدني، وهو ما يجعل القضية مرشحة لمزيد من التدقيق على المستويين المحلي والدولي.

الخلاصة

بين الحاجة الملحة لتأمين مياه الشرب في بلد يواجه أزمة إنسانية متفاقمة، وبين المخاوف المرتبطة بالاستخدام المزدوج للمواد الكيميائية، تبرز قضية استيراد الكلور في السودان كنموذج لتعقيدات إدارة الموارد في زمن الحرب، ومع غياب الشفافية الكاملة، وتعدد الروايات، تبقى هذه القضية مرشحة لمزيد من الاهتمام المحلي والدولي، في ظل دعوات متزايدة لضمان المساءلة وحماية المدنيين.

What do you feel about this?