مهدي عبدالله حامد :مجلس الأقاليم “حارس المبادئ فوق الدستورية” وترسيخ دعائم الفدرالية

40
mahadi

مهدي عبدالله حامد

وبما أنُّ ظلت على الدوام، تُعلمنا تجاربُ الأمم وصيرورةُ التاريخ أن لحظات التحولات المِفصلية لا تُقاس بالأيام ولا بـ السنين، وانما تُقاس بالمواقف الصلبة في اتخاذ القرارات المصيرية الهادفة لإعادة رسم ملامح الهُوية السيِّاسيِّة للدولة، تماشيًا مع حِنكة وجراءة العقل السياسي القادر على اجتراح حلولٍ تقطع ماضي الانسداد وتؤسس مُستقبل الانفتاح عبر إيجاد وثيقة أخلاقية وسياسية وتاريخية تكون عِبرة مُستخلصة من أوجاع الماضي المؤلم، لجهة أن تكون هي المنارة التي تضيء دروب الحاضر والبسلم الشافي نحو آفاق مستقبل وضاء.

ومما لا شك فيهِ، حوّل القرار الشجاع الصادر يوم أمس عن “حكومة السلام والوحدة” بشأن تكوين وتشكيل “مجلس الأقاليم” وعليه فلا يعد هذا القرار بأي حالٍ إجراءٍ إداري عادي تجاه توزيعٍ السلطات فقط، وانما هي “وثيقةُ إبراء ذمةٍ” أمام التاريخ، وعبرةٌ مستلهمة من مرارات المركزية الخانقة التي أهدرت مقدرات الوطن ردحا من الأزمنة وضياع الأجيال، الأمر الذي يضعنا اليوم لنقف بعز وشموخ أمام إضاءة تشعُّ بنور الحاضر وتضمن بهاء المستقبل، مؤكدة أن الحكم الفيدرالي اللامركزي هو الترياق الوحيد لوضع حد نهائي أمام الماضي الغابر، لجهة تَخلُق واقع مغاير، ليكون هو الضمانة المثلى لوحدة النسيج الوطني في إطار التنوع الثري، وبشكل أدق فإنَّ هذا القرار التاريخي لهو اعترافٌ صريح بأن القوة لا تكمن في احتكار القرار لدى فئة محددة، وانما في عدالة توزيعية على أطراف الوطن ليتنفس الجميع حريةً وعدلًا ومساواةٍ،

علاوة على ذلك، فإنَّ المتأمل في عُمق وجوهر هذا التكوين الدستوري العتيق يجد أنه استند إلى فقهٍ سياسيٍّ باهر، يَمزجُ بين مقتضيات الواقع ونظريات الفقه الدستوري الرصين، فلقد جاء ميلاد مجلس الأقاليم ليكون الحارس الأمين على إنفاذ الفيدرالية الحقيقية، حيث تصبح الأقاليم وحداتٍ سياسيةً وقانونيةً تتمتع بالشخصية الاعتبارية والسيادة التشريعية في نطاق اختصاصها، مما ينهي عهود الوصاية المركزية ويبدأ عهدًا جديدًا من التنافس التنموي الشريف.

وبمعنى آخر، فإن هذا الكيان ليس جسمًا هلاميًا مترهلًا مثلما كانت أجسام العهود السابقة العبثية، وانما هو مؤسسة دستورية صلبة أُنيطت بها مهامٌ جسام، تتجاوز إدارة الموارد إلى حماية “المبادئ فوق دستورية” التي تواثق عليها المؤسسون، ومن هنا تبرز العبقرية السيِّاسيِّة في ربط تكوين المجلس بإقرار العلمانية كإطارٍ ناظمٍ يقف على مسافة واحدة من جميع المعتقدات، ليضمن أن تظل الدولة وطن للجميع بتساويٍ، فلا تتمايز فيها الحقوق بناءً على دينٍ أو عرق، بل على أساس المواطنة الدستورية الخالصة التي لا تقبل التجزئة أو التأويل.

ومن نافلة القول، فإنَّ هذه الكياسة الدستورية البارعة، تبرز المبادئ فوق الدستورية و”المبادئ الدستورية معًا” كصمام أمانٍ يمنع أي تغولٍ مستقبلي على حقوق الإنسان أو الحريات الأساسية، حيثُ أصبحت هذه المبادئ مرجعيةً عليا لا تملك حتى الأغلبية البرلمانية المساس بها، ومما لا شك فيه إنَّ مجلس الأقاليم، بتركيبته الحالية التي تعكس فسيفساء الوطن الإجتماعية والسياسية والثورية والمدنية، فأنهُ يمثل تجسيدًا حيًا للديمقراطية التشاركية التي تُعلي من شأن المحليات وتمنحها حق تقرير مصيرها التنموي والسياسي ضمن إطار الدولة الموحدة من خلال الاختصاصات الممنوحة لهذا المجلس التي تجعله الرقيب الأول على عدالة توزيع الثروة القومية وفق معايير موضوعية تراعي التمييز الإيجابي للمناطق المتأثرة بالنزاعات، وتضمن استدامة السلام عبر التنمية الحقيقية لا الوعود الورقية.

فلا ريب، إنَّنا بصدد بناء هيكلٍ سلطويٍّ تتوزع فيه الصلاحيات بين المركز والأقاليم وفق مبدأ “التكامل لا التقاطع” حيثُ تضطلع الأقاليم بمهام التشريع المحلي والإدارة التنفيذية المباشرة، بينما ينحصر دور المركز في السيادة الكلية والدفاع والسياسة الخارجية، مما يخلق توازنًا عبقريًا يحمي الدولة من التشظي ويحمي الأقاليم من الطغيان، ناهيك عن ان هذه الخطوة التاريخية تضعنا أمام استحقاقٍ وطنيٍّ يتطلب حصافةً سياسيةً تتجاوز الصغائر، فالإيمان بالعلمانية والمبادئ فوق الدستورية والدستور ليس ترفًا فكريًا، وانما هو ضرورةٌ حتمية لضمان استقرار الدولة في محيطها الإقليميٍ والدولي.

أضف إلى ذلك، فإن مجلس الأقاليم هو المنصة التي ستلتحم فيها إرادة الجماهير مع رؤية القيادة، لتأسيس نظامٍ فيدراليٍّ لا مركزيٍّ يحترم الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لكل إقليم، ويحول التباين إلى مصدر قوةٍ ومَنعة، وكما إنَّ الفقه الدستوري الذي صِيغت به هذه الوثائق يعكس نضجًا سياسيًا غير مسبوق، إذ تم تحصين الحقوق والحريات بجدارٍ من التشريعات التي لا تقبل الالتفاف، مما يجعل من مجلس الأقاليم حجر الزاوية في بناء “الدولة النموذج” التي تسع الجميع، ولتكُن دعوةٌ للتصالح مع الذات الوطنية، لفتح الطموح نحو آفاقٍ أرحب من الممارسة السياسية الرشيدة التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتؤسس لإرثٍ سياسيٍّ سيذكره التاريخ بكثيرٍ من الإجلال والتقدير، كونه اللحظة التي اختار فيها الوطن أن يولد من جديد، متحررًا من أصفاد الماضي ومنطلقًا نحو رحاب المستقبل بآمالٍ عريضة وقواعد دستورية راسخة لا تلين، ليس هذا فحسب، وإنما وعلى وجه التحديد ستظل هذه الوثيقة، وهذا البناء الدستوري العظيم، شاهدًا على أن إرادة الشعوب حين تلتقي مع حكمة القيادة، تخلق المعجزات وتصيغ التاريخ بمدادٍ من نور، فلا جرم إن مجلس الأقاليم هو عهدنا الجديد، وميثاقنا الغليظ، ومنارتنا التي لن تنطفئ، ليبقى الوطن شامخًا ببنيه، وقويًا بتنوعه، ومستقرًا بفيدراليته التي لا تعرف الانكسار، يا سادة إنها الرسالة الخالدة التي تودعها تأسيس اليوم في سجلات التاريخ، لتكون إنارةً للأجيال القادمة، تذكرهم بأن بناء الدول يبدأ من احترام الإنسان وتقديس حقوقه ومنحه سلطة القرار في أرضه، لرسم لوحة الوطن الواحد الكبير، الذي يحترم الصغير قبل الكبير، والأطراف قبل المركز، في سيمفونيةٍ سياسيةٍ ودستوريةٍ مدهشة ستبقى خالدةً أبد الدهر.

وحرىَّ بنا القول، إن ما تم إنجازه اليوم عبر إعلان مجلس الأقاليم والحكم الفيدرالي اللامركزي ليس نهاية المطاف للقطيعة مع العهد البائد فحسب، وانما هو المبتدأ والخبر في سِفر النهضة الوطنية الكبرى، لنقول صفوة القول بأن التاسيسيون أودعوا هذه الرؤية كأمانةٍ في أعناق الحاضر وخيوط ضوء تهتدي بها أجيال المستقبل، مؤكدين أن المبادئ التي أُرسيت اليوم هي الثوابت التي لا تقبل المساومة، وأن العقد الاجتماعي الذي كُتب بمداد التوافق والعلمية والدستورية الرصينة هو العهد الذي لا يمكن النكوص عنه أبدًا، وبذلك فليشهد التاريخ بأنهم اختاروا الوحدة في إطار التنوع، والقوة في التوزيع، والحرية في الإطار الدستوري الحصيف، لتظل هذه الوثيقة عبرةً لمن أراد أن يبني وطنًا ديمقراطيًا فدراليًا علمانيًا دستوريًا قائم على المواطنة المتساوية ملغي التعاقد العفوي ومؤسسًا العقد الاجتماعي الجديد.

إهداء:

إلى أرواح الذين أسرجوا بدمائهم قناديل الفجر “شهداء 15 أبريل” وشهداء ثورتنا التراكمية الممتدة عبر سيرة النضال إلي يومنا هذا

نهديكم فخرنا الذي لا ينضب، واعتزازنا بمواقفكم التاريخية النبيلة التي جسدت أسمى معاني التضحية من أجل “تخليص الشعوب السودانية” وتحرير تراب هذا الوطن من دياجير الظلم والاستبداد وقيود التمييز.

إننا، ومن فوق منبر تضحياتكم الجسام، نبشر أرواحكم الطاهرة بأن “ساعة الخلاص، الساعة التاريخية” قد أزفت، وأن شمس “السودان الجديد”

What do you feel about this?