عبدالرحمن حنين (شاهد عيان) يكتب: بعد سنوات الحرب والدمار .. هل تشتت كتلة الدعم السريع الصلبة أم أصبح تيارا فاعلا في الراهن السياسي ..؟
عبدالرحمن حنين
سكون لحظي يعقبه دوويّ انفجار هائل يهز أرجاء ام درمان ، سحب من الدخان تظلل سماء كرري ، هنالك يهجع رتل من جنود الدعم السريع في إنتظار التفويج ..!
طائرات الميج حين تحلق فوق المعسكر على نحو منخفض كانت كتيبة من عناصر الدعم السريع تنتظر حتفها بعد ان تم تجريدها من السلاح كخطوة استباقية للمغادرة ، من لم يمت بفعل القصف تخاطفتة فوهات البندقيات الملقمة والمستعدة للانقضاض مسبقا ، ومن كتب له النجاة لم يسلم من مؤامرة قاطنيّ المنازل القريبة ضاحية معسكر كرري انفاذا لتوجيهات قيادة الدولة التي أمرت المواطنين عبر اجهزتها الاعلامية بالتعامل مع كل من يرتدي بزة (الدعم) بالقبض وان تعثر فالقتل ، انساق المواطنين الى تلك دعوات القتل العنصرية البغيضة فكانت الكارثة الانسانية التي كشفت الوجه القبيح للعنصرية والتمييز الجهوي ..!
ستة ألآف من الجنود تشتت شملهم بين صريع وجريح وهائم على وجهه .!
هنالك بالضفة الاخرى من النهر كان قلب الخرطوم يظلله السكون، بينما اطرافة تغليّ كالمرجل .
شرارة الحرب انطلقت من ضاحية جامعة افريقيا العالمية التي تعج الآن بضجيج المدافع ،، انفجارات بعيدة تُسمع ،ثم تترآى من بعيد سحب دخان سوداء تحجب قرص الشمس ،، في تلك الأرجاء دارت معركة صامتة بين مجموعة صغيرة من عناصر الدعم السريع تم محاصرتها وتطويقها بأرتال من القوات المتمركزة و المدججة بكل انواع الاسلحة ، وجوه مكفهرة باجساد منكهة تم جلبها من الاصقاع البعيدة تأهبا للحظة الصفر .
ولم تمضي ساعات من خروج طلقة الغدرالاولى حتى دانت السيطرة للقوة المغدور بها ، ثم سرعان ما اختّلت موازين القوة وانقلبت تصاريف القدر ،وأصبح الصياد طريدة ، طريدة ضاقت به الارض بما رحبت ، ورويدا رويدا تغلغلت القوات صوب الستين لتحكم قبضتها على شارع المطار ، هنالك التقت القوتان – القوة القادمة من البرج بعد ان تمكنت من دحر وملاحقة القوة المهاجمة الى مقربة من جسر السلاح الطبي قبل ان تعود أدراجها وهي تتأبط نصرا ما كان له ان يكون لولا بسالة وجسارة الأبطال.. !
هنالك بالقصر الجمهوري وعلى مقربة من البرج دارت ايضا معارك يصعب وصفها لكنها وضعت الخطوة الاولى للسيطرة على القصر ومحاصرة القيادة العامة التي أصبحت وقتها في عزلة تامة عن بقية الوحدات .
عند منتصف النهار التقت القوة التي كانت مرابطة ناحية القصر بالقوة القادمة من ركام حرب الجامعة وشارع الستين لترتفع رايات النصر بعزة وكبرياء .
شوارع العاصمة تبدو الآن خالية إلا من بعض قوات الدعم السريع المنتشرة وبعض الطائرات التي شرعت في قصف عشوائي للمنازل والمنشآت الخدمية..!
صبيحة اليوم التالي كانت ارتال من ضباط الصف والجنود من القوات المعتدية تملأ جثامينها الشوارع واعداد اخرى مماثلة تم اسرها واقتيادها الى محابسها ..!
اليوم الثالث من الحرب تغيرت فيه موازين المعركة وانقلب السحر على الساحر ، تمددت قوات الدعم السريع كالطوفان العرمرم، اقتلعت المواقع الاستراتيجية بقلب الخرطوم عنوة واقتدارا وبثبات لامثيل له وعزيمة لاتلين ، وهكذا أصبحت مداخل ومخارج العاصمة في قبضة الدعم السريع .
نعود ونقول الآن وبعد ثلاث سنوات من المواجهات الدامية لا يمكن توصيف ماجرى صباح الخامس عشر من ابريل بأنه حدثًا عابرًا أو اشتباكًا تقليديًا، بل هي مواجهة دامية كتبت بدماء الابطال و شكّلت لحظة مفصلية كشفت عن صراع عميق حول هوية الدولة ومستقبل السلطة في السودان.
لقد مثّلت تلك المواجهة بداية انفجار شامل انطلقت شرارته حين استهدفت كتائب البراء الارهابية والقوات المتحالفة معها مع سبق الإصرار والترصد مواقع عسكرية للدعم السريع كانت في وضع استقرار وسكون داخل ثكناتها بالمدينة الرياضية وطيبة وتقاطع شارع البيبسي وغيرها من المواقع ، وهذا يدلل على ان لحظة الانفجار قفزت من التكتيك العسكري إلى تعريف طبيعة الصراع ذاته.
ذكرى 15 أبريل التي شهدت ليلة الغدر والانفجار الاول لم تعد ذكرى عابرة ،بل هي لحظة كشفت عن قناع اسود وحكايات الغدر الكبير الذي تم الاعداد له في غرف ظلامية في ليلة حالكة السواد وإلاّ كيف نفسّر ذلك الاستهداف المباغت لقوات هي في حالة تموضع طبيعي داخل مقارها وثكناتها تمارس واجبها الوطني بحكنة واقتدار ، ولكن لحظة الغدر تلك بالطبع أسست لمرحلة جديدة عنوانها كسر التوازن والانزلاق نحو مواجهة مفتوحة تمددت الى الاصقاع والوديان البعيدة لتصبح حرب وجودية لا مناص منها .
و الثابت هو أن عناصر الدعم السريع لم تبقَ في موقع الضحية، بل تحولت سريعًا إلى قوة صمود ميداني حين أعادت تنظيم صفوفها، وفرضت حضورها في معادلة معقدة ، هذا التحول في موازين الحرب هو لحظة الانتقال من وقع الصدمة الاولى إلى إعادة تشكيل الواقع، بما يعكس القدرة على التماسك في لحظة فارقة كان يمكن ان تؤدي الى انهيار شامل.
شاهد ملك :
بعد كل سنين الخراب التي سعى إليها النظام القائم الآن يظل السؤال :
من يحمي فكرة الدولة؟ ومن يحدد مسارها؟
الدعم السريع الذي نهض من ركام الحرب ورماده اصبح اليوم اكثر حنكة وفاعليه في المشهد السوداني لجهة انه بجانب حربه تمكن من صياغة المشهد السياسي بتحالفات سياسية مكنته من تشكيل حكومة وفق وثيقة دستورية ظلت حلما معلقا في اعناق السودانيين ردحا من الزمن، وبهذه المعطيات والمستجدات يظل الدعم السريع كتلة صلبة لا كزهرة طريّة نبتت بين مفاصل صخرة ، بل اصبح تيارا فاعلًا في معركة تعريف المستقبل السياسي وجزءا مهما في حل ازمة أرض النيلين وليس مجرد طرف عسكري في صراع آني.
