لنـــــــا مهـــــــدي: “دقلـــــــو” يكتب أخطر خطاب سياسي منذ اندلاع الحرب٠٠من تهنئة عيد إلى إعلان مشروع دولة جديدة
لنـــــــا مهـــــــدي
خطاب الفريق أول “محمد حمدان دقلو” رئيس المجلس الرئاسي لتحالف السودان التأسيسي “تأسيس ” لا يمكن اعتباره البتة تهنئة عيد عادية فهو محاولة لإعادة تعريف الحرب نفسها منذ السطر الأول فالنص لا يتحدث عن معركة عسكرية فقط يتحدث بصرامة وتجلٍ عن مواجهة بين إرادة الحياة وثقافة الموت؛ وهذه نقلة ذكية للغاية لأنها تنقل الصراع من ميدان السلاح إلى ميدان الشرعية الأخلاقية والرمزية وكأن الرسالة تقول إن القضية لم تعد من يربح جولة عسكرية القضية الحقيقية من يملك حق تمثيل المستقبل
الخطاب تعمد أيضاً الابتعاد عن لغة الانتقام رغم حالة الاستقطاب الحادة في السودان؛ وهذه نقطة لافتة لأن النص استخدم مفردات العدالة والمحاسبة والقانون لكنه في نفس الوقت فصلها تماماً عن القبيلة والانتماء الاجتماعي وعندما يقول إن الحرامي ما عندو قبيلة والمجرم ما عندو قبيلة والخائن ما عندو قبيلة؛ فهو لا يخاطب الداخل فقط هو يرسل للخارج رسالة محسوبة بأن مشروع “تأسيس ” يريد أن يظهر كبديل لدولة الانتقام والتصنيفات الإثنية وليس كطرف جديد في دائرة الكراهية القديمة
الأكثر أهمية أن الخطاب لم يخاطب المقاتلين أو النخب السياسية بقدر ما خاطب النازحين واللاجئين وهذه نقطة نادرة في الخطاب السوداني خلال الحرب لأنه حاول بناء علاقة نفسية مباشرة مع الضحايا عبر لغة الاعتراف بالألم لا عبر لغة الشفقة؛ وهذا فارق كبير لأن أي مشروع سياسي يريد البقاء بعد الحرب يحتاج أولاً إلى كسب وجدان المتضررين لا فقط حشد الأنصار
النص أيضاً انتقل بذكاء من فكرة إيقاف الحرب إلى فكرة إعادة تأسيس الدولة وهنا تظهر أخطر نقطة في الخطاب لأنه لا يتعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد تمرد أو مواجهة عسكرية يتعامل معها كأزمة دولة كاملة تحتاج إلى إعادة بناء من الجذور؛ وعندما يتحدث عن مؤسسات جديدة قائمة على المهنية والقومية والشفافية فهو يعلن بشكل مباشر أن السودان القديم بصيغته التقليدية لم يعد قابلاً للاستمرار؛ وأن مشروع تأسيس يقدم نفسه كحامل لفكرة السودان الجديد ولا ينحصر في كونه مجرد تحالف عسكري أو سياسي عابر
في عمق الخطاب توجد محاولة واضحة لإعادة تعريف الوطنية نفسها فالوطنية هنا لا يتم تقديمها كمحض شعار عسكري أو احتكار مركزي للسلطة الوطنية عند رئيس المجلس الرئاسي مفهوم مرتبط بالمواطنة المتساوية والعدالة وعدم التهميش؛ وهذه رسالة عميقة لأن جوهر الأزمة السودانية طوال العقود الماضية كان دائماً سؤال من يملك السودان ومن يحق له تمثيل الدولة ومن يتم استبعاده من مركز القوة
النص استخدم كذلك تعبير الحركة الإسلامية الإرهابية بشكل محسوب جداً وهذا ليس من قبيل الخصومة السياسية لكنه نقل للصراع إلى قاموس الأمن الدولي الحديث؛ أي تقديم الخصم باعتباره تهديداً إقليمياً مرتبطاً بالتطرف وعدم الاستقرار وهذه خطوة ذكية لأن العالم قد لا يتحرك كثيراً لأجل الشعارات السياسية لكنه يتحرك بسرعة عندما يشعر بأن الفوضى قد تتحول إلى تهديد عابر للحدود
الرسالة الموجهة لدول الجوار والمجتمع الدولي كتبت بلغة ندية لا لغة الاستعطاف ولكنها لغة المصالح المشتركة فالخطاب يقول بوضوح إن انهيار السودان لن يبقى داخل حدوده بل سيمتد إلى الإقليم عبر التطرف والفوضى والعنف وهذه لغة تستخدم عادة حين يريد أي مشروع سياسي أن يضع نفسه كشريك في حماية الاستقرار الإقليمي ولا يقدم نفسه جديد على المنطقة
وحتى اختيار مناسبة العيد لم يكن عفوياً لأن العيد في الوجدان السوداني مرتبط بالبيت والأهل والأمان ولذلك عندما يتحدث الخطاب عن الأمل في أن يعود الناس إلى بيوتهم وأن يكون العيد القادم داخل المنازل وليس في معسكرات النزوح فهو يخاطب أعمق منطقة شعورية لدى السودانيين ويتعامل مع الحنين كأداة سياسية شديدة التأثير
الخطاب حاول الجمع بين ثلاث لغات معقدة في وقت واحد هي لغة الثورة ولغة الدولة ولغة المصالحة وهذه من أصعب التركيبات السياسية لأن الثورة بطبيعتها حادة والدولة بطبيعتها محافظة أما المصالحة فتحتاج إلى مساحة وسطى بينهما ولهذا بدا النص وكأنه يحاول صناعة هوية سياسية جديدة لا تشبه خطاب السلطة التقليدية ولا خطاب المعارضة الكلاسيكية
ورغم كل اللغة الهادئة التي ظهرت في الخطاب إلا أن الرسالة الأساسية فيه كانت رسالة قوة وثقة بالنفس لأن الخطاب لا يتحدث كلغة طرف يشعر بأنه في موقع دفاع ولكنه يتحدث بلغة مشروع يعتبر نفسه في طور التأسيس الطويل ولهذا تكررت مفردات مثل السودان الجديد والأسس الجديدة والمستقبل وكأن المعركة الحقيقية لصنع المستقبل ليست فقط على الميدان بل على مخيلة السودانيين وتهيئتهم وعلى شكل الدولة القادمة ومن يملك حق كتابة روايتها الجديدة
