رشا عوض: العلمانية وعقدة التاريخ الاسلامي المزيف

12
rasha

رشا عوض

في سياق الحديث عن العلمانية في السودان هناك كلام يتم ترديده كحقائق مسلم بها لا تقبل النقاش، مثل ان المسلمين ليسوا في حاجة للعلمانية لان الالتزام  بالاسلام  سيحقق العدل والحرية ويحفظ حقوق المسيحيين واليهوود ، وان المسلمين عندما كانوا ملتزمين بالاسلام اقاموا حضارة ملأت الارض عدلا ونورا وفي ظلها عاش المسلم والمسيحي واليهوودي متساوين وقد سبق الاسلام اوروبا في الديمقراطية وحقوق الانسان  الى اخر هذه المغالطات التي تنهار تماما امام اي قراءة امينة للمراجع الاسلامية التاريخية المعتمدة بواسطة المسلمين انفسهم بمن فيهم السلفيين!

التاريخ شيء والدعاية الايدولوجية لمشاريع الاسلام السياسي شيء آخر  ا!

الاسلام في كل تاريخه السياسي لم يحقق المساواة بين المختلفين دينيا في كل الدول التي اقامها المسلمون، فكانت الجيوش تخرج من الجزيرة العربية وتفتح البلدان في اسيا واوروبا وافريقيا وتضع سكان تلك البلدان امام ثلاثة خيارات فقط : الاسلام او دفع الجزية عن يد وهم ضاغرون  او القتال الذي لو انتهى بانتصار المسلمين يؤدي الى استرقاق الرجال وسبي النساء والاستيلاء على الاموال كغنائم.

تاريخ الدول الاسلامية شهد حروبا ضارية  على السلطة بين المسلمين انفسهم منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان !  فالمسلمون قتلوا بعضهم البعض في صراع السلطة اكثر مما قتلوا غير المسلمين! ولم يكن هناك عدل او حرية بالمعنى الذي نعرفه اليوم  في ظل الدول والممالك التي اقامها المسلمون، وقد كانت تلك الدول تشبه زمانها ومكانها وتجسد تجارب ومعارف وخبرات المسلمين الذين اقاموها ولا تجسد الاسلام بالمطلق ، نعم كان الاسلام عاملا مهما بالغ التأثير ولكنه في مجال السياسة والحكم بالذات لم يظهر كدين محض!  بل كاجتهاد بشري و كعنصر متفاعل في معادلات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة جدا ، وفي تلك التفاعلات كان الاسلام او بالاحرى الاجتهادات الاسلامية  تتفاعل من خلال بشر متنوعين ومختلفين في فهمه وتفسيره ولكل منهم انحيازاته الاجتماعية والثقافية التي اثرت في اسلامه بقدر ما تأثر هو بالاسلام ، ولذلك تنوعت وتعددت دول المسلمين ، وكان القاسم المشترك الاعظم بينها الاستبداد وغياب فكرة تداول السلطة سلميا وهيمنة السيف كوسيلة لحيازة السلطة ، وشهدت الدول التي اقامها المسلمون الوانا واشكالا من القمع والظلم واضطهاد الاقليات الدينية والعرقية وحتى اصحاب المذاهب الاسلامية المغايرة للمذهب الذي تتبناه السلطة تعرضوا للتنكيل!  وهذا كان يشبه تلك المرحلة من تطور البشرية، فتجربة المسلمين جزء من التاريخ ومحكومة بمنطقه وليست تجربة فوق تاريخية او فوق انسانية.

الاسلام هو دين ينطوي على هداية روحية ومحتوى اخلاقي ونظرة كلية للانسان والكون والحياة في جانب المعاني والغايات   ، نصوص الاسلام قابلة لتأويلات يمكن ان تقود المسلم الى ان يكون عادلا ورحيما وحافظا لحقوق الاخرين المختلفين عنه، وذات النصوص الاسلامية قابلة لتأويلات اخرى يمكن ان تقود المسلم للتطرف والعنف واهدار العدالة وظلم الاخرين واضطهادهم ، وبكل اسف معظم تاريخ المسلمين لم تنتصر فيه التأويلات التي تقود  للعدالة والرحمة بالمستضعفين واحترام المختلف حتى وان كان مسلما صاحب رؤية مختلفة ، نحن كمسلمين اكثر امة  في هذا الكوكب تحتاج للعلمانية ، تحتاجها لادارة اختلافات المسلمين في فهمهم للاسلام وتأويلات نصوصه دون ان يكفر بعضهم بعضا!

يجب ان نكف عن ترديد الادعاء بأننا سبقنا اوروبا الى  العدل والحرية والمساواة ، فهذه مجرد ادعاءات  وتحيزات ايدولوجية عاطفية ، اوروبا انتجت الدولة الوطنية الحديثة وانتجت الاعلان العالمي لحقوق الانسان وانتجت الطائرة والقطار والكمبيوتر والعلوم الحديثة والمنتجات التي طورت ويسرت حياتنا، والنموذج الحضاري الذي قدمته اوروبا نحن نقف امامه عاجزين! لا نجحنا في الاستفادة منه ، ولا نجحنا في تجاوزه الى الامام وقدمنا نموذجا افضل منه ، ولا حتى قدمنا نموذجا سياسيا مغايرا لاوروبا ولكنه ينافسها في العلوم والاقتصاد والقوة كنموذح الصين مثلا، كل ما نفعله هو تخدير انفسنا بالماضي الذهبي الذي نلتمس منه الاحقية بسيادة الحاضر والافضلية المطلقة على جميع البشر .

ان الديمقراطية وحقوق الانسان والدولة الوطنية الحديثة -وهي بالضرورة وبالتعريف دولة علمانية- كلها منجزات تاريخية تخص العصر الحديث ونتاج مرحلة من مراحل تطور البشرية، وبالتالي لا معنى لان نقول ان الاسلام اتى بها او اتى بما هو افضل منها ، لان الاسلام ببساطة ظهر في مرحلة تاريخية مختلفة من تطور البشرية ، ولم يخطر  ببال المسلمين الذين عاشوا قبل ١٤٠٠ عام شكل ومضمون الحضارة الحديثة ناهيك عن ان يكون لديهم ما هو افضل منها ، وهذا لا يعيبهم بل هذا هو منطق التاريخ .

المسلمون ساهموا في المجرى التراكمي للحضارة الانسانية عبر علماء وفلاسفة كان اغلبهم للمفارقة محكوم عليه بالكفر والزندقة بواسطة التيار الفقهي المهيمن على الفضاء الثقافي والسياسي، ومنهم على سبيل المثال ابن سينا وابوبكر الرازي وجابر بن حيان والحسن بن الهيثم وابن رشد وابن عربي والحلاج والجعد بن درهم الذي ذبحه والي العراق بامر الخليفة الاموي يوم عيد الاضحى! اذ ختم الوالي خطبته بان قال للناس ضحو ضحاياكم فاني مضح بالجعد بن درهم وذبحه في قعر المنبر !!! لماذا؟ عقابا له على افكاره!

اغلبية العلماء المسلمين  الذين كانت لهم مساهمة في الحضارة الاسلامية  عبر  العلوم  التجريبية لم يكونوا اسلاميين تقليديين ! بل كانت لهم افكار عقلانية وتوجهات فلسفية تم تكفيرهم بسببها! ولذلك قمة التناقض عندما تدافع تيارات الاسلام السياسي المحافظة عن الماضي الذهبي للحضارة الاسلامية! وفي ذات الوقت تهاجم العقلانية والعلمانية والفلسفة!

نحن الآن متخلفون ، كيف نغادر واقع التخلف؟ هذا هو السؤال الذي يجب ان نجتهد في الاجابة عليه ، والشروع في الاجابة يقتضي الانعتاق من سجن التاريخ المزيف الذي نحبس انفسنا فيه ونعرف تاريخ المسلمين على حقيقته الموضوعية كتاريخ لتجربة انسانية فيها ما فيها من اشراقات وفيها كذلك جوانب مظلمة وظالمة يجب تجاوزها ، وكذلك لا بد من تجاوز فكرة ان الاسلام دين ودولة ، اي تجاوز الاسطورة المركزية المؤسسة  لجماعات الاسلام السياسي.

الاسلام دين ودائرة اشتغاله ضمير الفرد المؤمن به ووظيفته ترقية الانسان في مدارج الفضائل الاخلاقية وتعميق التزامه بقيم الحق والعدل وتحفيزه على بذل الخير للمجتمع وتقديم اليقين الذي يركن اليه وهو يواجه اسئلة المصير والغاية من الوجود . ولكن تدين كل فرد هو بصمته الذاتية التي تخصه، هو معراجه الفردي الى الله ، هو شأنه الخاص جدا الذي يجب ان لا يتدخل في الدولة ولا تتدخل الدولة فيه. الدولة يحتاجها البشر لتنظيم اجتماعهم وتلبية احتياجاتهم في الامن والنظام والقانون ورعاية مصالحهم المشتركة في المجال العام، ولذلك تدار الدولة بالعقل العمومي الذي يخاطب البشر على اختلاف معتقداتهم الدينية.

وهناك امر من الاهمية بمكان ان ندركه، وهو ان أكثر الامم تحضرا في عالم اليوم لها تاريخ حافل بالظلم والتوحش والعنصرية والتخلف، ولكنها تطورت عندما خاضت مواجهة شجاعة وامينة مع تاريخها وتجاوزت ماضيها المظلم بعد ان اعترفت بانه مظلم وجزء منه مخجل يجب التبرؤ منه وتحذير الاجيال الجديدة

What do you feel about this?