دكتور الوليد مادبو: إعلان نيروبي .. لحظة انكشاف الطائفية السودانية

10
madbo

دكتور الوليد آدم مادبو

تأتي هذه المقالة على خلفية اعتراض ممثلي حزب الأمة داخل تحالف “صمود” على مبدأ العلمانية الوارد في إعلان المبادئ بنيروبي، وهو اعتراض أعاد إلى السطح الأسئلة القديمة المتعلقة بعلاقة الدين بالسياسة، وحدود الطائفية، وإمكانية بناء دولة حديثة في السودان تقوم على المواطنة لا على الشرعية الرمزية الموروثة.

ليس الاعتراض على العلمانية في السودان اعتراضاً لاهوتياً خالصاً بقدر ما هو، في جوهره، دفاعٌ مستتر عن بنية تاريخية للسلطة درجت على استثمار المقدس في تثبيت النفوذ السياسي والاجتماعي. ولذلك فإن المواقف التي أعقبت إعلان المبادئ بنيروبي لا تُقرأ باعتبارها مجرد غيرة على الدين أو انتصاراً للعقيدة، وإنما بوصفها ارتباكاً عميقاً أصاب البنية التقليدية التي ظلت ترى في الدولة امتداداً للزعامة الروحية، لا مؤسسةً عامةً تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية.

ومن يتأمل تاريخ حزب الأمة والطائفة الأنصارية يدرك أن الأزمة لم تكن يوماً في النصوص أو الشعارات، بل في العلاقة الملتبسة بين “الإمام” و”الجمهور”، بين الرمز الديني والفاعل السياسي. فقد ظلت قطاعات واسعة من الأنصار تُعامل، عملياً، باعتبارها خزّان ولاء تاريخي أكثر من كونها كتلة مواطنين أحرار يمتلكون حق مساءلة القيادة أو مراجعة خياراتها. وهذه البنية الأبوية القديمة، التي كانت تجد ما يسندها في مجتمع محدود التعليم والاتصال، بدأت تتآكل تحت ضغط التحولات الحديثة؛ فالعالم الذي كان يُدار بالبركة والرمزية والهيبة الطائفية لم يعد هو ذاته بعد الانفتاح الرقمي والهجرة والثورة المعرفية.

لقد تبدلت طبيعة الوعي السوداني نفسه. فالجيل الجديد لم يعد يقبل بسهولة فكرة “الزعيم الملهم” الذي يحتكر تفسير الدين والسياسة معاً، ولم تعد القداسة التاريخية كافية لإنتاج الشرعية. ولهذا تبدو بعض ردود الفعل تجاه العلمانية أقرب إلى خوفٍ من فقدان الامتياز الرمزي منها إلى دفاع حقيقي عن الدين. فالعلمانية، في معناها السياسي الرشيد، لا تعني اقتلاع الإيمان من المجتمع ولا إعلان الحرب على التدين الشعبي العميق، وإنما تعني ببساطة تحرير الدولة من الوصاية العقائدية، حتى لا تتحول العقيدة إلى أداة فرز سياسي أو وسيلة لإدامة الهيمنة الاجتماعية.

والمفارقة المؤلمة أن القوى التي احتكرت الحديث باسم الدين لعقود طويلة لم تستطع أن تقدم نموذجاً تنموياً أو أخلاقياً يوازي حجم خطابها التعبوي. ففي البيئات التقليدية التي ظلت تدين بالولاء للطائفة، بقي الفقر مقيماً، والتعليم هشاً، والتنمية غائبة، وكأن المطلوب دائماً هو إبقاء الجماهير في دائرة الاحتياج النفسي والاقتصادي حتى تستمر علاقة التبعية التاريخية. وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية: ليست أزمة دين، بل أزمة غياب مشروع حداثي قادر على تحويل الأتباع إلى مواطنين.

ولعل أكثر مظاهر الأزمة تعبيراً عن هذا الانفصال التاريخي يتمثل في حال الورثة السياسيين للقيادات الطائفية، الذين ما زالوا يتحركون باللغة والرموز القديمة نفسها، رغم أن المجتمع السوداني تغيّر جذرياً. فالأزمة لم تعد في ضعف الأداء بقدر ما تكمن في انهيار البيئة التي منحت تلك الرمزية فاعليتها سابقاً؛ إذ لم يعد الجمهور يتعامل مع الشرعية السياسية بوصفها امتداداً للوراثة التاريخية، بل بات أكثر ميلاً لربطها بالكفاءة والقدرة على الإقناع والإنجاز الواقعي. ولذلك يبدو هؤلاء وكأنهم يواصلون أداء أدوار مسرحية فقدت معناها داخل مجتمع غادر بالفعل النص القديم.

لقد أثبتت التجربة السودانية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، أن خلط المقدس بالصراع السياسي لم ينتج دولة عادلة ولا مجتمعاً أكثر فضيلة، بل أنتج انقسامات أعمق وحروباً أكثر قسوة. فعندما يتحول الخصم السياسي إلى خصمٍ للعقيدة، يصبح الحوار مستحيلاً، لأن الخلاف ينتقل من مساحة البرامج والمصالح إلى مساحة النجاة والهلاك. وهكذا تُغلق السياسة أبواب العقل لتفتح أبواب التعبئة العاطفية والاصطفاف الطائفي.

إن الدولة الحديثة لا تُبنى على البيعة الروحية ولا على العصبية الطائفية، وإنما على فكرة المواطن الحر الذي لا تُقاس قيمته بدرجة قربه من الزعيم أو الطائفة أو الجماعة العقائدية. فالدولة ليست طريقاً إلى الجنة، ولا ينبغي أن تتحول إلى منصة لفرض تصور ديني واحد على مجتمع متنوع ومعقد مثل السودان. وظيفتها الأساسية هي إدارة الشأن العام: حماية الحقوق، وتحقيق العدالة، وبناء المؤسسات، وصيانة الحريات، لا توزيع صكوك الإيمان أو احتكار الحديث باسم السماء.

ولعل أخطر ما فعله التوظيف السياسي للدين في السودان أنه لم يشوه السياسة وحدها، بل شوّه الدين نفسه. إذ تحوّل الخطاب الديني، في كثير من الأحيان، إلى غطاء للمساومات والتحالفات والانقلابات الناعمة، حتى بات المواطن يرى التناقض الفادح بين المثال الأخلاقي المعلن والممارسة الواقعية اليومية. ولذلك فإن تراجع الهيبة التقليدية للطائفية لا يعود إلى ضعف التدين في المجتمع السوداني، بل إلى اتساع الفجوة بين القيم التي تُرفع كشعارات وما خبره الجمهور من مقايضة بعض القيادات للمواقف المبدئية بالمصلحة الشخصية والحظوظ الآنية.

إن السودان اليوم بحاجة إلى ثورة في الوعي قبل حاجته إلى تسوية بين النخب. بحاجة إلى الانتقال من مفهوم “الرعية” إلى مفهوم “المواطنة”، ومن شرعية التاريخ الرمزي إلى شرعية الدستور والمؤسسات، ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء لفكرة الدولة نفسها. وهذا لا يعني إقصاء الدين من حياة الناس، فالسودانيون بطبعهم شعب متدين، وإنما يعني إنهاء احتكار الدين داخل المجال السياسي، حتى يعود الإيمان قيمة أخلاقية وروحية لا أداة تعبئة وصراع.

لقد انتهى زمن الزعامة الميتافيزيقية التي تستمد مشروعيتها من النسب أو البركة أو الإرث الطائفي وحده. وما تحتاجه البلاد اليوم هو نخبة جديدة تمتلك شجاعة القطيعة مع البنى التقليدية، وتؤمن بأن الدولة الحديثة ليست امتداداً للطائفة، بل عقداً اجتماعياً بين مواطنين متساوين. فالسودان لن يخرج من أزمته بإعادة تدوير الرموز القديمة أو ترميم الهياكل المتداعية، وإنما ببناء مشروع وطني جديد يقوم على الحرية والمواطنة والعدالة وسيادة القانون.

What do you feel about this?