حنان حسن: حوار تحت صوت المدافع.. كيف يكذب البرهان على السودانيين باسم الديمقراطية؟

1
hanan

حنان حسن

في بلدٍ تتكلم فيه البنادق أعلى من أصوات المدنيين يبدو الحديث عن حوار سياسي شامل أقرب لمحاولة تجميل مشهد الخراب لا إيقافه. فبينما تستمر الحرب في حصد أرواح السودانيين وتشريد الملايين وانهيار ما تبقى من الدولة، خرج قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بخطاب جديد يعد فيه السودانيين بحوار وطني وانتقال مدني وديمقراطية شاملة؛ وهي ذات المفردات التي ظلت السلطة العسكرية تستخدمها كلما اشتدت عليها الضغوط وفقدت قدرتها على تبرير الفشل والدمار.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لمن قاد الانقلاب على الانتقال المدني، وفتح أبواب البلاد للحرب والانهيار، أن يتحول فجأة إلى حارسٍ للديمقراطية وراعٍ للحوار الوطني؟ وكيف يمكن الحديث عن بناء وطني بينما المدافع لم تصمت بعد، والدم السوداني لا يزال يُراق في الشوارع والقرى ومعسكرات النزوح؟

الحقيقة التي يحاول خطاب البرهان الهروب منها هي أن الأزمة السودانية لم تبدأ بالحرب الحالية ولن تنتهي بخطابات المناسبات. فهذه الحرب ليست سوى النتيجة الطبيعية لعقود من عسكرة الدولة وتمكين الإسلاميين وتحويل الوطن إلى ساحة صراع على السلطة والنفوذ باسم الدين والسيادة والأمن القومي.

واليوم بينما يتحدث البرهان عن (القوى الوطنية)ورفض الإملاءات الخارجية عادالكيزان من تلطخت اياديهم بدماء الشعب السوداني إلى المشهد مستغلين الحرب كفرصة لإعادة إنتاج أنفسهم تحت عباءة الجيش ومعركة الكرامة.

في ظل تعاظم الكلفة السياسية والإنسانية، يخرج قائد الجيش بخطاب يتحدث فيه عن الحوار والانتقال المدني والتوافق الوطني..وكأن المشكلة في السودان كانت دائماً مجرد سوء تفاهم بين القوى السياسية لا أزمة بنيوية صنعتها عقود من الاستبداد والعنف والانقلابات.

خطاب عبد الفتاح البرهان الأخير بمناسبة عيد الأضحى لم يخرج عن هذا السياق حديث طويل عن حوار شامل وأسس للبناء الوطني ومبادئ حاكمة توحد السودان مع تأكيد متكرر على رفض إملاءات الخارج ورفض مؤتمرات العواصم..لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل يمكن لأي حوار سياسي أن ينجح بينما المدافع لا تزال تفتك بالسودانيين والسودانيات والخراب يتمدد وملايين السودانيين بين نازح ولاجئ وجائع؟

الحقيقة أن أي عملية سياسية لا تبدأ بوقف شامل لإطلاق النار وضمانات إنسانية وأمنية، تبقى مجرد مناورة سياسية هدفها شراء الوقت وإعادة ترتيب موازين القوة لا معالجة جذور الأزمة لأن الأزمة السودانية ليست فقط أزمة حكومة أو خلاف على السلطة، بل أزمة دولة مختطفة منذ عقود بواسطة المؤسسة العسكرية وتحالفاتها الأيديولوجية وعلى رأسها الحركة الإسلامية التي أعادت إنتاج نفسها في كل مرحلة بأسماء وواجهات مختلفة.

البرهان يتحدث اليوم عن الانتقال المدني الديمقراطي بينما هو نفسه الرجل الذي انقلب على الحكومة المدنية في 25 أكتوبر، وقاد فعلياً إلى تفكيك المسار الانتقالي ثم أدخل البلاد في واحدة من أسوأ الحروب في تاريخها الحديث. لذلك يصبح من الصعب التعامل مع حديثه عن الديمقراطية باعتباره مشروعاً جاداً، لا مجرد خطاب للاستهلاك السياسي ومحاولة لتحسين صورته داخلياً وخارجياً.

الأخطر من ذلك أن الخطاب نفسه يحاول إعادة إنتاج الرواية القديمة: القوى الوطنية النظيفة في مواجهة العملاء وأصحاب الأجندة الخارجية وهي ذات اللغة التي استخدمتها الحركة الإسلامية لعقود لتخوين خصومها وتبرير احتكارها للدولة. ولهذا لم يكن غريباً أن تجد قطاعات واسعة من الإسلاميين والكيزان تحتفي بخطابات البرهان لأنه ببساطة يعيدهم إلى قلب المشهد تحت لافتة الحرب الوطنية والسيادة ورفض التدخل الخارجي.

الكيزان الذين يتحدثون اليوم عن الوطن والسيادة هم أنفسهم من أوصلوا السودان إلى هذا الانهيار عبر ثلاثين عاماً من التمكين والفساد وتدمير مؤسسات الدولة وإشعال الحروب .. وهم أنفسهم الذين عادوا للاحتماء بالمؤسسة العسكرية بعد سقوط البشير..ثم عملوا بكل طاقتهم على إفشال الانتقال المدني لأن أي تحول ديمقراطي حقيقي يعني نهاية نفوذهم السياسي والاقتصادي والأمني.

ولذلك فإن الحديث عن حوار لا يشارك فيه من تلطخت أيديهم بالدماء يبدو أقرب للمفارقة، لأن السؤال الذي يطرحه السودانيون اليوم: من الذي أوصل البلاد أصلاً إلى هذه الدماء؟ ومن الذي سلّح المليشيات وحمى شبكات النظام القديم، وفتح الباب لانهيار الدولة؟

لا يمكن بناء سلام حقيقي عبر خطابات إنشائية تتجاهل جذور الأزمة..المطلوب ليس مجرد طاولة حوار جديدة المطلوب مشروع وطني حقيقي يقوم على:

1-وقف فوري وشامل لإطلاق النار.

2-معالجة الكارثة الإنسانية.

3-إخراج الجيش من العمل السياسي.

4-تفكيك شبكات التمكين القديمة.

5-عدالة انتقالية ومحاسبة حقيقية.

6-وبناء دولة مدنية لا تتحكم فيها البنادق ولا الأيديولوجيات.

غير ذلك ستظل كل المبادرات مجرد تدوير للأزمة بأسماء مختلفة بينما يدفع السودانيون والسودانيات  الثمن من دمهم ومستقبلهم.

What do you feel about this?