مجاهد بشرى: بعد أربع سنوات من الانتظار .. مناوي يُجيز قانون إقليم دارفور من خارج الإقليم.
مجاهد بشرى
في السياسة السودانية توجد مفارقات كثيرة، لكن بعض المفارقات تبلغ درجة من الغرابة تجعلها أقرب إلى الكوميديا السوداء منها إلى العمل السياسي الرصين، ومن بين هذه المفارقات ما أعلنه مني أركو مناوي بالأمس من احتفائه بإجازة قانون إقليم دارفور بعد أربعة أعوام كاملة من الانتظار، وكأن الزمن توقف عند عام 2022 ولم تجر تحت الجسر حرب مدمرة غيّرت وجه السودان ودارفور معاً.
للعودة إلى أصل الحكاية، يجب أن نتذكر ذلك اللقاء الذي جمع مناوي بعدد من القيادات السياسية والعسكرية في الثالث من مايو 2022، بحضور نائب رئيس مجلس السيادة حينها محمد حمدان دقلو “حميدتي” ورئيس الجبهة الثورية الدكتور الهادي إدريس.
يومها كان مناوي يشكو بمرارة من تعطيل قانون إقليم دارفور، وكان يرى أن عدم إجازة القانون يحول منصبه إلى مجرد لقب سياسي بلا سلطات حقيقية، كان يريد الصلاحيات التي نص عليها اتفاق جوبا، ويريد أن تصبح سلطة حاكم الإقليم سلطة فعلية وليست شكلية، وكان يحمّل المؤسسة العسكرية مسؤولية تعطيل ذلك المسار.
لكن اللافت للنظر أن الدكتور الهادي إدريس لم يتعامل مع القضية من زاوية الصلاحيات وحدها، فقد كان يتحدث عن أزمة أعمق بكثير من مجرد قانون مؤجل، حيث يرى أن البلاد كلها خرجت من المسار الدستوري بعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، وأن معالجة قضية دارفور عبر قانون منفرد لن تحل المشكلة الأساسية.
ولذلك قال بوضوح إن المطلوب ليس مجرد إجازة قانون للإقليم، وإنما العودة أولاً إلى الوضع الدستوري الطبيعي، ثم بناء دستور متكامل يحدد العلاقة بين الإقليم والمركز ويمنح المؤسسات شرعيتها وصلاحياتها بصورة مستقرة ودائمة.
في ذلك الوقت ربما بدا حديث الدكتور الهادي إدريس للبعض مثالياً أو نظرياً أكثر من اللازم، فبينما كان مناوي يبحث عن سلطة فورية، كان الدكتور الهادي إدريس يتحدث عن إعادة تأسيس الدولة نفسها، وبينما كان مناوي يريد مفتاحاً لغرفة معينة داخل المبنى المهترئ، كان الدكتور الهادي إدريس يتحدث عن إعادة بناء المبنى بأكمله.
مرت السنوات الأربع التالية بصورة دراماتيكية لم يتوقعها كثيرون، اندلعت الحرب، وتبدلت التحالفات، تغيرت موازين القوى، وتحولت دارفور إلى مركز رئيسي للأحداث العسكرية والسياسية، وخلال تلك السنوات لم ير المواطن الدارفوري قانون الإقليم الذي انتظره مناوي، ولم ير التنمية التي كان الجميع يتحدث عنها، ولم ير المؤسسات التي كان اتفاق جوبا يعد بها، بل رأى حرباً واسعة النطاق أعادت تشكيل الواقع كله.
ثم جاءت المفارقة التي يصعب تجاهلها، بعد كل هذه التحولات، وبعد مرور أربعة أعوام كاملة، خرج مناوي ليعلن إجازة قانون إقليم دارفور أخيراً، وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إجازة القانون من أجل إدارة أي واقع بالضبط؟
فالحديث عن قانون يمنح سلطات لحاكم الإقليم يثير بطبيعته سؤالاً حول موقع تلك السلطة نفسها، لأن القوانين في نهاية المطاف ليست أوراقاً للعرض الإعلامي أو منشورات للاحتفال السياسي، وإنما أدوات لإدارة واقع قائم ومؤسسات تعمل وسلطات تمارس اختصاصاتها على الأرض، وليس بالبلوتوث … ولذلك فإن قيمة أي قانون لا تقاس بجمال نصوصه ولا بعدد السنوات التي انتظرها أصحابه، وإنما بقدرته على التأثير في الواقع الفعلي، فهل يملك مناوي او حكومة بورتسودان اي تأثير فعلي على الأرض؟.
المفارقة الساخرة هنا أن مناوي أمضى سنوات يطالب بالقانون باعتباره مفتاح السلطة، ثم حصل على القانون بعد أن تغيرت البيئة السياسية والعسكرية التي نشأ فيها ذلك المطلب أصلاً، مناوي الذي طالب بإجازة القانون في 2022م ليضع يده على الاجهزة الامنية و العسكرية، يقف الآن امام مشهد هرب تلك الاجهزة الأمنية و العسكرية من كامل دارفور، ومعها قواته ايضا، وكأن شخصاً أمضى سنوات طويلة يطالب بمفتاح المنزل، ثم استلمه أخيراً بعد أن غادر سكان المنزل وغادرت معه الحارة بأكملها.
والأكثر إثارة للاهتمام أن حديث الدكتور الهادي إدريس قبل أربعة أعوام يبدو اليوم أكثر وضوحاً مما كان عليه آنذاك، فقد كان الرجل يقول بصورة مباشرة إن الأزمة ليست أزمة قانون، وإنما أزمة شرعية دستورية وبنية حكم وعلاقة بين المركز والأقاليم، وكان يحذر عملياً من أن أي قانون يصدر خارج إطار دستوري مستقر سيظل محدود الأثر مهما كانت نصوصه طموحة.
اليوم يشغل الدكتور الهادي إدريس موقع حاكم إقليم دارفور في حكومة تأسيس التي تستند إلى دستور السودان التأسيسي، بينما يحتفل مناوي بإجازة قانون ظل يطالب به منذ عام 2022، وهنا لا يتعلق الأمر بالمقارنة بين شخصين بقدر ما يتعلق بالمقارنة بين رؤيتين سياسيتين مختلفتين، رؤية كانت ترى أن المشكلة تكمن في غياب قانون معين، ورؤية أخرى كانت ترى أن المشكلة تكمن في غياب النظام الدستوري نفسه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس ما إذا كان قانون الإقليم قد أجيز أم لا، وإنما ما إذا كانت الظروف التي أخرت القانون أربعة أعوام قد زالت فعلاً، وهل أصبحت دارفور اليوم أقرب إلى الاستقرار والتنمية وبناء المؤسسات؟ وهل أصبح القانون قادراً على تحويل نصوصه إلى واقع ملموس يشعر به المواطن؟ أم أن الأمر لا يتجاوز كونه انتصاراً رمزياً متأخراً جاء بعد أن تغيرت الخريطة السياسية والعسكرية التي وُلد فيها ذلك الصراع من الأساس؟
ربما لهذا السبب تبدو صورة الاحتفال بإجازة القانون اليوم أقرب إلى مشهد سياسي ساخر منها إلى مشهد انتصار حقيقي، بعد أربعة أعوام من المطالبة، وبعد حرب قلبت السودان رأساً على عقب، وبعد أن تغيرت مواقع اللاعبين وتحالفاتهم، يعود النقاش إلى النقطة نفسها التي بدأ منها، لكن الفرق الوحيد أن الزمن مضى، والواقع تغير، والأسئلة التي طرحها الدكتور الهادي إدريس في مايو 2022 ما زالت تبحث عن إجابات حتى اليوم.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على الجميع: هل كانت المشكلة طوال هذه السنوات في غياب قانون إقليم دارفور، أم في غياب الدولة الدستورية التي تستطيع أن تجعل ذلك القانون أكثر من مجرد حبر على ورق؟
