شرق السودان من التهميش البنيوي إلى مخاطر الانفجار والتدويل .. كيف استنزفت الحركة الإسلامية الإرهابية الشرق اقتصادياً وتلاعبت ببنيته الاجتماعية أمنياً؟

2
shr

شرق السودان من التهميش البنيوي إلى مخاطر الانفجار والتدويل .. كيف استنزفت الحركة الإسلامية الإرهابية الشرق اقتصادياً وتلاعبت ببنيته الاجتماعية أمنياً؟ – “الجزء الثاني”

وكالات – بلو نيوز

في الجزء الأول تم رسم خريطة البيئة الداخلية لشرق السودان بأبعادها الجغرافية والديموغرافية والتاريخية، وتم تناول كيف حوّلت الحركة الإسلامية الإرهابية التنوع الاجتماعي إلى أداة تحكّم بدلًا من بنائه أساساً للتنمية.

أما هذا الجزء فيتناول ما نتج عن تلك السياسات من اقتصاد موازٍ للذهب، ومنظومة أمنية هشّة بنيويًا، وشرق سوداني مكشوف أمام تنافس خارجي غير مسبوق.

الخيط الذي يربط هذه الملفات كلها خيطٌ واحد هو “ثلاثون عاماً من حكم أيديولوجي قدّم التمكين على التنمية، والسيطرة على الحوكمة، والبقاء على الدولة”.

ونتيجة هذا كله أن شرق السودان بات يُختبَر اليوم على نيران متعددة في وقت واحد أزمة ذهب، وتوترات قبلية متصاعدة، وسلطة مركزية مشلولة في بورتسودان، وتنافس دولي يستثمر في الفراغ الذي أنتجه الإهمال. لفهم كيف وصلنا إلى هنا، لا بد من الأثر التفصيلي.

الذهب وإعادة رسم خريطة القوة (2000–2026)

إن اكتشاف الذهب في شرق السودان ليس بخبر جديد؛ فمناطق مثل أرياب ووادي العلاقي عُرفت بثرواتها المعدنية منذ عقود.

لكن ما تغيّر في الفترة الممتدة بين عامي 2003 و2008 هو طبيعة العلاقة بين الثروة المعدنية ومؤسسات الدولة. فمع ارتفاع الأسعار العالمية للذهب من جهة، وتراجع الرقابة الحكومية على الأطراف من جهة أخرى، تدفّق المعدّنون التقليديون بأعداد متزايدة نحو مواقع التعدين دون أي تنظيم فعلي.

الدولة لم تكن غائبة كلياً، لكنها كانت غائبة عن كل ما يهم “التنظيم، الرقابة البيئية، توزيع العائدات، تسوية النزاعات حول المواقع”.

شركة أرياب للتعدين، التي كانت دشّنت حضورها في التعدين الصناعي منذ التسعينيات، توسعت خلال هذه المرحلة بصورة ملحوظة.

إلا أن توسعها لم يُفضِ إلى تنظيم القطاع بل إلى تحديد مناطق نفوذ رسمية تعمل بجانبها مناطق نفوذ غير رسمية لا تخضع لأي سلطة، حيث كان الانفصام الأول بين الدولة الرسمية واقتصاد الذهب قد بدأ في الترسّخ.

بين عامي 2012 و2016، تحوّل ما كان ظاهرة هامشية إلى نظام اقتصادي قائم بذاته. تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن عدد المعدّنين التقليديين في مختلف ولايات شرق السودان تجاوز مئات الآلاف خلال هذه المرحلة، ومعظمهم يعملون خارج أي إطار قانوني منظّم.

تشكّلت شبكات وساطة متكاملة بين مواقع التعدين والأسواق النهائية، تضم تجارًا ومموّلين ومهرّبين ووسطاء يتقاسمون الأرباح دون أن تحصل الدولة على حصتها.

ما يلفت النظر في هذه المرحلة هو حجم الاقتصاد الموازي و طبيعة التفاعل بينه وبين الأجهزة الأمنية. فبدلًا من ملاحقة شبكات التهريب والتعدين غير المرخّص، انخرطت بعض الأجهزة في علاقة تعايش معها وإن لم يُعلَن عنها.

نشأ نموذج هجين يتكون من دولة تستمر في فرض السيادة الشكلية على الأرض، وأجهزة أمنية تستثمر في الاقتصاد غير الرسمي الذي تُفترَض مهمتها تنظيمه. وهو النموذج ذاته الذي كرّسته الحركة الإسلامية الإرهابية في مقاربتها للثروة والسلطة منذ مطلع التسعينيات.

ابتداءً من عام 2017، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية السودانية وتصاعد عجز الميزانية، أصبح الذهب أبرز مصادر النقد الأجنبي غير الرسمي.

وتوسعت شبكات التهريب بشكل لافت خلال الفترة 2018–2021 في ثلاثة اتجاهات: شمالًا نحو مصر عبر الشمال الشرقي، وشرقًا نحو إريتريا عبر الحدود البرية، وعبر مسارات بحرية غير مباشرة في البحر الأحمر.

وعندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، فقدت مناطق التعدين آخر ما تبقى من غطاء مؤسسي، وتحوّلت إلى فضاءات شبه مستقلة أمنيًا تتداخل فيها سلطات محلية غير رسمية وعناصر مسلحة وشبكات اقتصادية عابرة للحدود.

لعل المفارقة الكبرى في هذا المسار أن الذهب الذي كان يمكن أن يكون وقود تنمية شرق السودان تحوّل إلى وقود لصراعاته.

منطقة الرتج نموذج حيّ على هذه المعادلة، حيث يتقاطع التنافس على موارد التعدين مع الخلافات القبلية مع ضعف السلطة المركزية، لينتج عن ذلك تعبئة اجتماعية لا يسهل احتواؤها.

عقيدة الاستخبارات والأمن في شرق السودان (1990–2019)

بوصول الحركة الإسلامية الإرهابية إلى الحكم عبر انقلاب يونيو، كانت تمتلك رؤية واضحة للخطر الذي تمثّله المناطق الطرفية في الدولة، فهي تنموية محرومة، و مساحات يمكن أن تتحوّل إلى قواعد للمعارضة المسلحة. لهذا، كان الرد الطبيعي هو بناء دولة مراقبة فاعلة قبل بناء أي شيء آخر.

بين عامي 1991 و1995، شرع جهاز الأمن والمخابرات الوطني في بناء شبكات استخبارات بشرية داخل المجتمعات المحلية في شرق السودان، مع التركيز على مناطق التعدين والأسواق الحدودية.

الهدف الأساسي كان تطويقها معلوماتيا و رصد أي تحركات سياسية أو قبلية قبل أن تتطور إلى تهديد. بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، التي اتُّهم نظام الحركة الإسلامية بالتورط فيها عبر دعم عناصر إسلامية متطرفة، دخل الشرق مرحلة تشديد أمني إضافية.

كانت الحدود مع مصر وما حولها من مناطق شمالية تُعامَل بوصفها منطقة جيوسياسية حساسة تستوجب إشرافًا مضاعفًا.

في المرحلة الممتدة بين 2003 و2010، نضجت عقيدة الأجهزة الأمنية في الشرق واتخذت شكلًا أكثر تعقيدًا فالهدف الأمني بالإضافة إلي جمع المعلومات تم التركيز علي التأثير الاستباقي على التوازنات بين المجموعات القبلية بحيث لا يبرز طرف واحد قادر على تشكيل وحدة سياسية مستقلة. هذا ما يمكن تسميته سياسة التفكيك المُدار، بالإبقاء على الانقسامات ضمن حدود قابلة للتحكم، ومنع انبثاق أي تضامن قبلي أو جهوي يتجاوز ما تسمح به المركزية.

تُجسّد اتفاقية أسمرا عام 2006 هذه العقيدة في أبهى صورها. فحين وقّع نظام البشير مع جبهة الشرق ذلك الاتفاق كان يُجري عملية احتواء، استيعاب القيادة السياسية للحركة المسلحة في أجهزة الدولة، ودمج أو تسريح قواتها، وتحويل مطالبها الجوهرية إلى مناصب دستورية لا تنطوي على صلاحيات حقيقية.

وقد وصف باحثون هذا النموذج بـ’تفكيك التنظيم وتنظيم التفكيك’، إذ نجح النظام في إسكات البنادق دون أن يفتح الباب أمام أي إصلاح بنيوي.

في الفترة الممتدة بين 2011 و2019، وفي ظل متطلبات السلام الشامل مع الجنوب وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية، أصبح الاعتماد على الأجهزة الأمنية لإدارة الأطراف يستنزف موارد باتت شحيحة. ما برز خلال هذه المرحلة أن الفصل بين الجهاز الأمني والاقتصاد غير الرسمي بدأ يتهاوى. شبكات التهريب والتعدين غير المرخّص في شرق السودان كانت في حالات كثيرة امتدادًا غير رسمي لعلاقات النفوذ التي رسمتها الأجهزة ذاتها.

بحلول عام 2019، كان شرق السودان وصل إلى ما يمكن وصفه بـ’الهشاشة المضبوطة’ فالدولة لا تنهار كليًا لأن الأجهزة الأمنية لا تزال تُدير التوازنات، لكنها تستنزف ما تبقى من رصيد الشرعية السياسية في هذا التدبير اليومي.

وحين سقط نظام البشير في أبريل 2019، سقطت الآلة الأمنية التي كانت تُدار بها الأطراف معه، أو على الأقل تحوّلت إلى آلة بلا مشغّل واضح.

ما بعد أبريل 2023، حين أعلنت السلطة العسكرية الانقلابية بورتسودان عاصمةً مؤقتة في أعقاب اندلاع الحرب كان ذلك استجابةً اضطرارية لاعتبارات البقاء والأمن.

فإلى جانب محدودية الطاقة الاستيعابية للمدينة وضعف

 

نقلا عن صحيح السودان

What do you feel about this?