مجاهد بشرى: ماوراء عقوبات وزارة الخزانة الامريكية.؟

1
mujahed

مجاهد بشرى

لم تكن العقوبات التي أعلنتها وزارة الخزانة الأمريكية في 26 يونيو 2026 مجرد تحديث روتيني لقائمة العقوبات، وإضافة ثماني شركات وأفراد إلى قائمة الحظر الأمريكية، بل تمثل تحولاً نوعياً في الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى الحرب السودانية وإلى الطرف الذي ترى أنه يصر على استمرارها، فالولايات المتحدة لم تستهدف هذه المرة قائداً عسكرياً أو شخصية سياسية بعينها، وإنما وجهت ضربتها إلى البنية الصناعية والاقتصادية التي تعتمد عليها القوات المسلحة السودانية المسيطر عليها بواسطة تنظيم الحركة الاسلامية الإرهابي في إدامة عملياتها العسكرية.

وتزداد أهمية هذه العقوبات إذا ما قُرئت في سياق التصريحات التي أدلى بها الفريق أول عبد الفتاح البرهان في اليوم نفسه تقريباً، والتي أكد فيها أن الحرب لن تتوقف إلا بتحقيق انتصار عسكري، وأن خيار السلام ليس مطروحاً قبل حسم المعركة، وبينما يعلن قائد الجيش تمسكه بالخيار العسكري، جاءت واشنطن برسالة مختلفة تماماً، مفادها أن استمرار الحرب لن يكون بلا ثمن، وأن الشبكات التي توفر التمويل والتصنيع والتوريد لهذا الخيار أصبحت هي الهدف المباشر للعقوبات.

واللافت أن وزارة الخزانة الأمريكية لم تبدأ هذه المرة من ساحة المعركة، بل من المصانع وغرف الإدارة وسلاسل الإمداد  التي تمد الجيش و تنظيم الاخوان المسلمين الارهابي في السودان ، فالبيان يبدأ بمنظومة الصناعات الدفاعية، ثم ينتقل إلى مجموعة جياد (Sudan Master Technology)، ثم إلى الشركات التابعة مثل TMAC وPorts Engineering، ثم يتوسع إلى الشركات الأجنبية والمديرين التنفيذيين الذين وفروا المتفجرات والمعدات والخدمات لهذه الشبكة، وبهذا تكون واشنطن قد رسمت خريطة متكاملة لما تعتبره البنية التي تجعل استمرار الحرب ممكناً.

وهنا تكمن أهمية هذه العقوبات، فهي لا تستهدف ما حدث في الماضي فحسب، وإنما تستهدف القدرة على مواصلة الحرب في المستقبل بصورة تامة، فعندما تُفرض العقوبات على شركات التصنيع العسكري، وعلى شركات الاستيراد، وعلى الموردين في الخارج، وعلى المديرين التنفيذيين، فإن الرسالة لا تقتصر على تجميد أصول أو حظر تعاملات، بل تمتد إلى تحذير أي شركة أو وسيط أو بنك أو ناقل بحري من الانخراط في هذه الشبكة مستقبلاً، وإلا فإنه قد يجد نفسه داخل منظومة العقوبات نفسها.

كما تكشف العقوبات الجديدة أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الحرب باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، وإنما باعتبارها شبكة اقتصادية وصناعية عابرة للحدود. ولهذا لم تقتصر القائمة على شركات سودانية، بل شملت شركة هندية ومسؤولين تنفيذيين، وأشارت إلى تعاملات مع شركات في دول أخرى. وهذا يعني أن الولايات المتحدة تحاول تضييق الخناق على سلسلة الإمداد بأكملها، وليس فقط على من يستخدم المعدات في الميدان.

ومن المهم أيضاً ملاحظة أن هذه العقوبات لا تبدأ من الصفر، فمنذ يونيو 2023 فرضت الولايات المتحدة عقوبات على منظومة الصناعات الدفاعية ومجموعة جياد، لكن بيان يونيو 2026 يكشف مرحلة جديدة، إذ انتقلت العقوبات من المؤسسة الأم إلى الشركات التشغيلية والواجهات التجارية وسلسلة الموردين. وبعبارة أخرى، فإن واشنطن تقول إنها لم تعد تكتفي بمعرفة رأس الشبكة، بل أصبحت تستهدف العُقد التي تسمح لها بالاستمرار والعمل رغم العقوبات السابقة.

وفي المقابل، لم يقتصر البيان الأمريكي على فرض العقوبات، بل دعا بوضوح إلى هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة لمدة ثلاثة أشهر، وطالب جميع الأطراف الخارجية بوقف أي دعم مالي أو عسكري للأطراف المتحاربة، ومن خلال الجمع بين هذين المسارين، يبدو أن الإدارة الأمريكية تحاول الجمع بين الضغط الاقتصادي والدعوة السياسية، بحيث يصبح استمرار الحرب أكثر كلفة، بينما يظل باب وقف إطلاق النار مفتوحاً.

قد لا تنهي هذه العقوبات الحرب بمفردها، لكنها تمثل مؤشراً على تحول مهم في الاستراتيجية الأمريكية، فبدلاً من التركيز على الأفراد، أصبح التركيز منصباً على البنية المؤسسية والاقتصادية التي تغذي القتال، وإذا استمرت هذه السياسة واتسعت لتشمل مزيداً من الشركات والوسطاء والموردين، فإن أثرها قد يتجاوز الرمزية السياسية إلى التأثير المباشر على قدرة الشبكات العسكرية لجيش البرهان على تأمين احتياجاته.

ولهذا، فإن الرسالة التي تحملها عقوبات 26 يونيو 2026 تتجاوز أسماء الشركات والأشخاص الواردة فيها، على أنها تعكس قراءة أمريكية مفادها أن الحرب لا تستمر بالسلاح وحده، بل بالشركات والمصانع وسلاسل الإمداد التي توفر هذا السلاح، ومن هنا جاء استهدافها لما تعتبره قلب المنظومة التي تغذي استمرار القتال، في وقت يتحدث فيه قائد الجيش عن مواصلة الحرب حتى تحقيق انتصار عسكري.

What do you feel about this?