عبد الحي يوسف .. “فقيه سلطان” استغل المنبر والمحراب لسرقة ملايين الدولارات!

1
alhi

وكالات – بلو نيوز

شكلت ثورة ديسمبر المجيدة في السودان نقطة تحول فاصلة لم تقتصر على إسقاط نظام سياسي استبدادي فحسب، بل امتدت لتكشف وتُعري شبكات معقدة من الفساد المالي والسياسي التي تسترت لعقود تحت عباءة الدين.

ومن بين ركام هذا السقوط المروع، برزت قضية القيادي الإخواني الإرهابي، عبد الحي يوسف، لتشكل واحدة من أكثر ملفات الفساد إثارة للدهشة، إن قضيته لا تمثل مجرد تجاوزات مالية تقليدية، بل هي تجسيد حي لظاهرة “فقهاء السلطان” الذين استغلوا المنبر والمحراب لتكديس الثروات، وتبرير القمع، وتمرير أجندات تنظيمية، في مفارقة أخلاقية بين ادعاء الطهر والاستقامة، وممارسة أبشع أنواع الاستغلال والنهب.

إعتراف المعزول

بدأت خيوط هذه الإمبراطورية الفاسدة تتكشف للعلن باعتراف مدوٍ من أعلى هرم السلطة السابقة. فخلال محاكمته في أواخر عام 2019، أقر الرئيس المعزول عمر البشير بتسليمه مبلغ خمسة ملايين دولار أمريكي نقداً ومباشرة لعبد الحي يوسف، تحت ذريعة تمويل “قناة طيبة”.

هذا الإقرار القضائي كان بمثابة حجر الزاوية الذي بنيت عليه الإجراءات القانونية اللاحقة، إذ تحركت منظومة “زيرو فساد” ودونت بلاغاً ضده، ليعقبه إصدار النيابة العامة ومحكمة الثراء الحرام أوامر قبض في مواجهته.

مثلت هذه الحادثة انتهاكاً صارخاً لقوانين التعامل بالنقد الأجنبي والإجراءات المحاسبية للدولة، وكشفت كيف كانت تدار أموال البلاد كإقطاعية خاصة، خارج أروقة وزارة المالية والبنك المركزي، ما دفع النائب العام حينها، تاج السر الحبر، لفتح تحقيقات موسعة وتهديد مستلمي هذه الأموال بفتح دعاوى جنائية تحت المادة 194 من القانون الجنائي في حال عدم مثولهم للتحري.

غطاء شركة الأندلس

لم تكن حادثة الخمسة ملايين دولار سوى قمة جبل الجليد في منظومة أوسع تدار عبر “شركة الأندلس للإنتاج الإعلامي”، المظلة القانونية لقناة طيبة والمنصات التابعة لها.

لقد كشفت التحقيقات عن حجم مهول من التجاوزات الإدارية والمالية، إذ استغلت الشركة مقدرات الدولة ومعدات هيئة البث الإذاعي والتلفزيوني دون سداد الرسوم المستحقة، متمتعة بإعفاءات جمركية وضريبية غير قانونية بُنيت على المحسوبية والغطاء الأيديولوجي المشترك مع النظام المباد.

ولم يقتصر الأمر على التمويل الرئاسي، بل تلقت هذه المنصات تمويلاً مستتراً من مؤسسات حكومية وتدفقات أجنبية غير خاضعة للرقابة.

وبفضل جهود لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال، تم الحجز على حسابات الشركة واسترداد أصولها، بل والعثور لاحقاً على أجهزة بث مفقودة تابعة لمنصتي القناة، كانت مخبأة في مخازن سرية بالخرطوم، في دلالة واضحة على العقلية الإجرامية التي حاولت طمس معالم نهب مقدرات الشعب.

شبكات إرهابية عابرة للحدود

ولفهم الطبيعة العميقة لهذا الفساد، لا بد من تسليط الضوء على الديناميكية المعقدة والشراكة المريبة التي جمعت عبد الحي يوسف بالمدعو ماهر سالم رباح، وهو سوداني من أصول فلسطينية ومرتبط بحركة حماس.

تعود جذور هذه العلاقة الوثيقة إلى العام 1999، حينما شارك ماهر سالم بالتحريض والتنفيذ في جريمة حرق معرض الكتاب المسيحي بجامعة الخرطوم، عبر واجهة “جمعية الدعوة والإرشاد” التي كان يشرف عليها عبد الحي يوسف شخصياً.

منذ تلك الحادثة التي كادت أن تشعل فتنة دينية مدمرة في البلاد، توطدت العلاقة بين التلميذ وشيخه، ليصبح ماهر الذراع الأيمن والمخطط المالي المهيمن على استثمارات عبد الحي.

استغل ماهر سالم، بمساعدة شريكه بسام حسن محمد أحمد، المناخ الذي وفره النظام السابق للحركات الإسلامية الإرهابية، ليلعب دور العقل المدبر لإمبراطورية اقتصادية ضخمة.

فقد تولى ماهر إدارة “مؤسسة المشكاة” التي أسسها عبد الحي وظلت تعمل لسنوات دون ترخيص قانوني، واستحوذ من خلالها على أموال ضخمة بملايين الدولارات باسم قناة طيبة وقنوات أفريقيا.

المثير للدهشة في القضية هو خضوع عبد الحي يوسف التام لمخططات ماهر سالم، إذ شاركه في تأسيس وإدارة عدة شركات مثل “الأندلس”، و”النبلاء”، و”الجامعة الأفريقية المفتوحة”.

وأسفرت هذه الشراكة الفاسدة عن كنز ثروات طائلة، قبل أن تسترد لجنة التفكيك عشرات الشركات والأسماء التجارية، وما يقارب 34 عقاراً وأرضاً سكنية وزراعية تعود لماهر سالم وحده، شملت 24 شقة في مواقع راقية كالديار القطرية وبرج درة الحجاز، بالإضافة إلى استرداد 12 عقاراً من بسام حسن.

ولم يتورع عبد الحي يوسف عن قبول هدايا وعطايا من هذه الأموال المشبوهة، أبرزها شقة فاخرة في مجمع الرواد السكني، في تجسيد لغياب أي وازع ديني أو أخلاقي يحول دون الانتفاع بأموال مجهولة المصدر وملوثة بالفساد.

التلاعب باسم الدين

إن الآثار الدينية والأخلاقية المترتبة على فساد رجل دين مثل المدعو عبد الحي يوسف تعتبر الأكثر فداحة وخطورة. فقد استثمر الرجل صورته كداعية للزهد والورع، ليبني إمبراطورية مالية قائمة على أموال الفقراء ومقدرات الدولة المستنزفة.

هذا التناقض الصارخ وجه ضربة قاسية لثقة العوام في الرموز الدينية، وأسهم في تشويه صورة التدين في المجتمع، أذ أدرك الناس أن المنابر لم تكن سوى منصات لغسيل العقول تمهيداً لغسيل الأموال.

وتصل هذه السادية الأخلاقية إلى ذروتها الكارثية في الفتوى الدموية التي أصدرها عبد الحي للرئيس المخلوع إبان ثورة ديسمبر، والتي أباح فيها للحاكم قتل ثلث الشعب ليعيش الثلثان في أمان.

هذه الفتوى لم تكن مجرد رأي فقهي شاذ، بل كانت تشريعاً رسمياً للمجازر، وغطاءً دينياً لسفك دماء عشرات الآلاف من المعتصمين السلميين، ما يجرده من أي صفة دينية ليضعه في خانة المحرضين على الإبادة الجماعية.

الدعاية السياسية تحت غطاء الدين

على الصعيدين السياسي والاجتماعي، لعبت الآلة الإعلامية التي بناها عبد الحي وماهر سالم دوراً مدمراً في تسميم الفضاء العام. فقد سُخرت قنوات مثل “طيبة” لنشر خطاب الكراهية، وتعميق الاستقطاب المجتمعي، وإقصاء كل من يخالفهم الرأي وتكفيره وتخوينه.

كانت هذه المنصات أدوات للتمكين السياسي الآيديولوجي، تهدف إلى إخضاع المجتمع لصوت واحد يعبر عن مصالح النظام الفاسد والشبكات المنتفعة منه.

أما اقتصادياً، فقد مثلت هذه المنظومة ثقباً أسود ابتلع أموالاً ضخمة بالعملات الصعبة، في وقت كان فيه الاقتصاد السوداني يعاني من انهيار شامل، والمواطن البسيط يقف في طوابير الخبز والوقود والأدوية، بينما كانت إعفاءات الدولة ومواردها تضخ في جيوب عصابات تستتر بالدين.

الهروب من الحريق

اليوم، تكتمل فصول هذه المأساة بمشهد عبثي، حيث يعيش عبد الحي يوسف مع أسرته وشركائه مثل ماهر وبسام في رغد العيش بتركيا، هاربين من العدالة. ومن بروجه العاجية، يستمر في إصدار فتاوى إهدار الدم لمن يدعو لوقف الحرب، ويحرض الشباب السوداني المنهك على حمل السلاح والموت، غير مكترث بالمعاناة الطاحنة التي يمر بها السودانيين.

إن مسيرة عبد الحي يوسف وشركائه لم تعد مجرد قصة فساد مالي، بل هي درس تاريخي قاسٍ للشعب السوداني حول خطورة المتاجرة بالدين، وكيف يمكن للنصوص المقدسة أن تتحول في أيدي “فقهاء السلطان” إلى أسلحة دمار شامل تفتك بالمجتمع، وتنهب موارده، وتشرعن قتله، لتترك خلفها وطناً جريحاً يبحث عن طريق للتعافي من إرث ثقيل من النفاق واللصوصية.

 

صحيح السودان

What do you feel about this?