منال علي محمود: فزاعة دولة 56 .. المارد الذي صنعناه بأيدينا

315
منال علي محمود

منال علي محمود

[email protected]

 

لا شيء يدعي دولة 56

لا يوجد ما يسمى (دولة 56)

كل ما هناك هو (محفل وهمي)، صنعناه من خوفنا، وسميناه مجدا

كل من دخل هذا المحفل، ضحك في سره من (مارد الورق) الذي كنا نظنه شامخا، بينما لم يكن أكثر من (حبر في دفاتر الانجليز)، وشعار ترفع به السيوف على رؤوسنا

الاستقلال في 1956 لم يكن إلا عملية (تسليم إدارة لا سلطة)

الانجليز لم يتركوا البلاد لأهلها، بل مكنوا (قلة من المتعلمين والنخب المتصالحة معهم)، وساروا على خطاهم في الحكم

وقد حرص من تسلموا راية الحكم عنهم على جعل التعليم أقوى أسلحتهم، وحرموا دونه غيرهم، فكان السلاح في أيديهم والعلم في خزائنهم

لقد بلغ الفارق بين أول مدرسة في دارفور والمركز (خمسة وعشرين عاما كبيسة)، لا تعبّر فقط عن تأخير زمني، بل عن إرادة سياسية لعزل الأطراف وتدجينها

البلاد لم تبني بمؤتمر دستوري، ولا باستفتاء شعبي، ولا برؤية جامعة

بل بنيت بعبارة واحدة

(اللحاق بركب الأمم)، ولو كان الثمن سحق بعضها.

 

من الاستقلال إلى الاستلاب

 

نحن من قدس (دولة 56)، لا لأنها منحتنا حقوقنا، بل لأننا (هربنا إليها من مواجهة أنفسنا)

قبلنا بالقهر، وابتلعنا الصمت، وسكتنا على الدم والتمييز والتهميش، ثم قلنا (على الأقل نحن دولة واحدة)

لكن هل كنا حقا كذلك؟

في 1958 جاء أول انقلاب، دون مشورة أحد، وابتدأت عسكرة الدولة

في 1969 ابتلع النميري كل ما تبقى من أحلام

في 1983 فرضت الشريعة لتقسيم ما تبقى من الوطن

في 1989 جاءت (الإنقاذ)، وحولت الدولة إلى (شركة خاصة باسم الله قولا لا تطبيقا)

في 2011 رحل الجنوب، لأنه لم يعد يحتمل هذه الخدعة

كل هذه الجرائم ارتكبت باسم (دولة 56)

لكنها ليست أكثر من (قشرة)، ستسقط حين نمعن النظر في أصلها.

 

كلمات الغرب قد فضحتنا قبل وعينا

 

قال اللورد (وينترتون) في البرلمان البريطاني عام 1955

(السودان لم يكن كيانا وطنيا، بل مجرد تعبير جغرافي)

وفي كتاب (The Empire and the Century) الصادر عام 1905

(العرب في السودان قادرون على التحضر، أما القبائل الزنجية فستحتاج قرونا لتصل إليهم)

هذه ليست آراء معزولة، بل هي الأساس الذي بني عليه الحكم البريطاني – (استعلاء عرقي، وتفريق متعمد)، ثم (تسليم للسلطة بنصيحة: واصلوا كما فعلنا)

وهذا ما حدث،

الطبقة الحاكمة بعد 56 استخدمت نفس الأدوات: (التمييز، الإقصاء، القهر، السلاح، والإنكار).

 

لا تعيدوا طباعة الكذبة

 

حين طبع على جواز السفر السوداني عبارة (يسمح بدخول جميع الدول عدا إسرائيل)، كان ذلك اعترافا مبطنا بدولتها، حتى لو منع الدخول إليها

فمثلما حملنا العبارة رغما عنا، رددنا (دولة 56) رغم علمنا بزيفها

لكننا لسنا بذلك الغباء

لقد جاءت لحظة الوعي، وعرت كل شيء

الوعي لا يعترف بالكذبة، حتى لو كتبت على جواز سفر.

 

كم عدد أفراد (دويلة 56)؟ ومن فوضهم؟

 

هل سألنا يوما: من يحكمنا؟ من يقرر عنا؟

كم عدد أفراد هذا الكيان الذي يسمونه (دويلة ٥٦)؟

هل هي الدولة التي نبنيها جميعا؟

أم هي قلة من (ضباط، وتجار، وأمنجية، وشيوخ)، يتوارثون السلطة،يتزاوجون ويفرخون أجيال على خطاهم؟

من الذي فوضهم ليشنوا حروبا، يوقعوا اتفاقيات، ويسقطوا مدنا كاملة باسم (الوحدة الوطنية)؟

وأين كان الشعب حينها؟ (مهمشا، مكمما، مغيبا، ثم متهما بالخيانة إن قال لا).

 

لماذا اشتغل الناس في الدولة التي يرفضونها؟

 

في هذا المحفل الذي يسمى (دويلة 56)، لم يكن التعايش خيارا أخلاقيا دائما، بل كان أحيانا (الخيار الوحيد للبقاء)

من أراد أن يتمرد حقا، فليس أمامه سوى السلاح

وعندما يفعل، يستقبل في طاولة الحوار لا كند، بل كمتمرد سابق يعرض عليه فتات من المناصب، أو دورا هامشيا مثل (مساعد رئيس، أو والي شكلي)

ثم تأتي (التسوية)، لا لتعيد الحق، بل لتجبرك أن تغمض عينيك، وتتجاوز عن دم أخيك… فقط لتشارك في إدارة الخراب فالعفو هنا إجباري وليس عند المقدرة،

فإما أن تحمل السلاح، أو تعيش خارج الدولة، أو تقبل بما أمامك، أو تدفن حيا بين الجوع والمراقبة والسجون

وإن كان قلمك جريئا وحادا للظلم، فسيجدوا الطريق لإخضاعك، والباسك (طرحة تلازمك طوال عمرك).

 

مشهد الجنود والبيوت

 

في دولة القانون، لا يحتاج الجندي إلى سكن عشوائي، فالدولة التي تحترم مواطنيها توفر لهم حق السكن والتنظيم

لكن فقط في دولة 56، يعود الجندي من الخدمة، ليجد منزله قد جرف بحجة إزالة العشوائيات في عز الحرب، ثم يذبح في أطراف الجزيرة بحجة (الوجوه الغريبة).

المفارقة أن قبيلة كاملة قدمت الزبائح لقوات الدعم واستقبلتهم بالهتافات ولم تجرم أو تقصف كحاضنة

بينما تقديم جرعة ماء كفيل بقتلك كمتعاون، طالما لست من حواضن دويلة 56.

وهذا ينطبق أيضا على من يعمل مع فصيل تمرد عليهم ثم (يتوب)، فتقبل توبته بلا محاسبة لأنه فقط من أبناء المحفل

فأي هزال نحن فيه؟

 

لا شيء يردع السلطة مثل الدستور

 

ليست مشكلتنا في الخريطة، بل في غياب العقد

لم تكن مشكلتنا في الموارد، بل في غياب الدستور

أي دولة لا يحكمها دستور نابع من الإرادة الشعبية هي (سجن كبير، ولو اتسعت رقعتها)

وكل دعوة لبقاء هذه الدولة بصيغتها القديمة، دون مساءلة ولا مراجعة، هي (إنقاص لحق الوطن، وانتقاص من كرامة المواطن).

الدستور الحقيقي هو الحاجز الوحيد بين السلطة والبطش، وبين المواطن والقهر.

 

الوعي الجمعي انتصر على الفزاعة

 

اليوم، هذا الجيل لم يعد يؤمن بمقولات (البلد ما بتتحمل) أو (الوطن فوق الجميع) أو (خليها مستورة)

بل بات يسأل

(من كتب هذا الوطن؟ من فوض هؤلاء؟ ومن سمح لهم أن يقرروا وحدهم؟)

الوعي الجمعي اليوم أعلى من سقف الدولة القديمة، وأقوى من طغاتها، وأقرب للدولة الحقيقية التي يجب أن تكون.

 

لماذا يخاف الطغاة من شعب واع يحكمه دستور؟

 

السؤال الذي يجب أن يطرح في وجه كل من يدعو لإعادة تدوير (دويلة 56)

(لماذا يخاف الطغاة من شعب واع يحكمه دستور؟)

لأن الشعب الواعي لا يحكم، بل يشارك

ولأن الشعب الذي يحكمه دستور، لا يستغل، بل يحترم،

الحديث الواعي من شعب يعرف ما له وعليه، يكفي لتراجع أي مارد يستمد قوته من جهل وتجهيل شعبه.

لكننا، ويا للمفارقة، نترجم القتل الممنهج على أنه إبادة للحواضن، ونرتضي ذلك فما يحدث لدينا يفوق اللامعقول في الخنوع للظلم.

 

أمريكا نفسها كانت دولة 56… ثم تحولت

 

حتى الولايات المتحدة – التي نراها اليوم نموذجا للديمقراطية – لم تبدأ كذلك

كانت خريطة نخبوية عنصرية: البيض فقط هم المواطنون، السود عبيد، السكان الأصليون مستهدفون، والنساء بلا صوت

كانت نسخة من دولة 56 بلون مختلف

لكنها تحولت تدريجيا إلى دولة دستورية، بعد نضال مرير من الشعب، ومعارك امتدت قرونا لفرض الحقوق، والفصل بين السلطات، وحماية الفرد من الدولة لا العكس

وعلى الأقل، في بداياتها، كان هناك فرق في الشكل بين الطغاة والمحكومين

أما نحن، فقد صور لنا الغرور أن الاختلاف غير موجود، بينما كان قائما في كل شيء إلا الشكل، فالطغاة من جلدتنا، يتحدثون لغتنا، يسيرون بيننا، لكنهم لا ينتمون إلينا… ولا يحكمون باسمنا، بل باسم وطن لم نستشر في صنعه.

 

الدولة تبنى الآن… لا يعاد إنتاجها

 

نحن لا نهدم الدولة، بل نهدم الوهم

نحن لا نحطم الوطن، بل نزيل عنه غشاوة الظلم المتراكم

الدولة الحقيقية لن تولد من رماد دويلة 56، بل من سلام عادل، وتوافق شعبي، وسواعد واعية تبني دستورا لا يمنح من فوق، بل يكتب من تحت

من الناس، للناس، باسم الناس.

 

اما الان فانظروا لحال السودان وأداء دويلة 56

 

سقطت لأنها لم تبن على عدل، ولأنها قامت على باطل

والباطل، وإن طال، لا يصمد أمام وعي تحرر من الخوف

فإلى متى نتسول حقنا في هذه الأرض؟

إلى متى نغض الطرف عن الذبح، ونقول (المهم البلد ما تتفرتق) وامامنا معركة(كرامة) وجودية نخوضها؟

وهل بقي بلد أصلا؟

إنه مارد ورقي تداعى أمام أول ريح وعي… ولن يبعث بعد الآن

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com