أمجد فريد والشيوعيون: من واجهات الثورة إلى مرمى الاتهامات .. رحلة تحول وتحالفات مثيرة للجدل
وكالات – بلو نيوز الاخبارية
في خضم المشهد السياسي السوداني المتقلب، يبرز اسم الدكتور أمجد فريد الطيب كرمز لصراع أوسع بين الحركات الثورية والقوى السياسية التقليدية، وبين البراغماتية والولاء الأيديولوجي، حيث تحولت صورته من متحدث باسم تجمع المهنيين السودانيين ووجه بارز في ثورة ديسمبر المجيدة، إلى شخصية محاطة بتساؤلات وتهم عدة حول ولائها السياسي، وتحالفاتها، ودورها في المشهد بعد الانقلاب العسكري.
البداية: نضال طبيب شاب ومناضل ثوري
ينحدر أمجد فريد من قطاع الأطباء الشيوعيين الذين تعرضوا للفصل عام 2016، وهو الانتماء الذي شكّل خلفيته السياسية والأيديولوجية. انخرط في حركة “تغيير الآن”، التي كانت من أبرز مجموعات الشباب التي ساهمت في تنظيم المظاهرات ضد نظام البشير، وبرز كمتحدث رسمي وفاعل قادر على التعبير عن مطالب الشارع برصانة وحماسة، مما أكسبه قاعدة شعبية واسعة داخل الحراك الثوري.
في أعقاب الثورة، تم تعيينه مساعدًا لرئيس مكتب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وهي خطوة اعتبرها كثيرون تتويجًا لدوره ومكافأة على نضاله، كما عمل مستشارًا سياسيًا للأمم المتحدة، مما منحه خبرة واسعة وعلاقات دولية. لكن هذه الفترة شهدت أيضًا بداية تشوه صورته في أعين بعض الشركاء في الحراك المدني.
التحولات والصراعات الداخلية
مع تفاقم الأزمة بين المدنيين والعسكريين، وخصوصًا بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، بدأ التوتر يزداد حول مواقف فريد، حيث انتقده بعض الثوار بسبب ما رأوه تماهياً مع المكون العسكري أو تخفيفاً من حدّة النقد تجاه الانقلاب، في خطوة اعتبروها تخليًا عن قيم الثورة.
يرى بعض المقربين أنه تعرض لخيبة أمل كبيرة من أداء القوى المدنية، وتشرذمها وعدم قدرتها على تشكيل بديل قوي، فبحث عن مسارات براغماتية للعمل داخل السلطة، حتى لو تطلب ذلك تحالفات مع أطراف مثيرة للجدل. هذه البراغماتية السياسية، بحسب أحد المقربين، قد تكون محاولة للاستفادة من النفوذ وتحقيق تأثير فعلي، لكن الثمن كان في فقدان ثقة الشارع والثوار.
الاتهامات واتهام التحالف مع “الفلول”
برزت اتهامات أكثر حدة حين بدأت بعض الأصوات تشير إلى أن أمجد فريد يتحالف ضمنيًا أو حتى بشكل صريح مع رموز من النظام السابق، المعروفين بـ”الفلول”، وهو اتهام يعكس حجم التوتر والصراع الداخلي في المشهد السياسي.
يرى منتقدوه أن خطاب فريد تغير، وتحول من صوت ثوري واضح إلى خطاب أكثر توافقًا مع مصالح فئات سياسية تقليدية، الأمر الذي اعتبروه انتهازية سياسية، وربما وسيلة للبقاء في دوائر النفوذ.
علاقة أمجد فريد بالحزب الشيوعي: التزام أم تحولات؟
يحظى فريد بتاريخ عضويته في الحزب الشيوعي، الذي يعد من أقدم وأبرز أحزاب المعارضة في السودان. إلا أن الواقع الحالي للحزب، الذي يعاني من انقسامات داخلية وضعف تنظيمي، انعكس على مواقف بعض أفراده، خصوصًا الجناح الذي يميل إلى دعم الجيش كمؤسسة دولة ضد التهديدات التي يرونها من قوى الدعم السريع والحركات المسلحة الأخرى.
يفسر بعض المحللين هذا التقارب بين بعض الشيوعيين والجيش بكونهما يشتركان في رفض المشروع الديمقراطي الليبرالي الذي تروجه قوى “الحرية والتغيير”، ويرون فيه تهديدًا لهيمنتهم السياسية. كما أن العداء المشترك لـ”قحت” وبعض القوى المدنية دفع بعض الشيوعيين إلى تحالفات غير متوقعة، بهدف إعادة صياغة المشهد السياسي وضمان بقاء الحزب.
معارضة داخلية وأصوات رافضة
لكن ليس كل الشيوعيين متفقين على هذه التحولات؛ فهناك تيار داخل الحزب يرفض جملة وتفصيلاً أي تقارب مع الجيش أو مع “الفلول”، ويرى أن الطريق الوحيد هو التمسك بالتغيير الجذري والرفض التام للتحالفات التي تخدم أطرافًا عدوة للثورة.
يؤكد هؤلاء أن دعم الجيش في هذه المرحلة، حتى لو بدا وكأنه خيار واقعي، هو تنازل عن مبادئ أساسية، وأن الحرب القائمة وأطرافها هي العدو الحقيقي، وليس الخصوم السياسيون داخل المشهد الوطني.
خلفيات وأبعاد التحول
يمكن تفسير التحولات التي طرأت على أمجد فريد ضمن سياق براغماتيته السياسية التي دفعتها إلى البحث عن حلول وسط، في ظل أزمة سياسية معقدة ومفتوحة على احتمالات متعددة، وفي ظل ضغط الأمن والحرب المستمرة، والتي جعلت بعض الفاعلين يعيدون تقييم تحالفاتهم لمجرد البقاء والنفوذ.
يضاف إلى ذلك ضعف القوى المدنية، وضعف الحاضنة الشعبية التي يمكنها دعم قيادة موحدة، مما جعل الفراغ السياسي يسده التحالف بين أجنحة غير متجانسة، تستند إلى مصالح آنية تتناقض مع المبادئ الثورية.
الموقف العام وأفق المستقبل
تظل تجربة أمجد فريد نموذجًا معبرًا عن أزمة أعمق تواجهها الثورة السودانية: كيف يحافظ الثوار على مبادئهم في مواجهة قوى الدولة والمصالح؟ كيف يمكن تحقيق التغيير الجذري وسط واقع معقد يحكمه الصراع والخراب؟
يطرح هذا الملف أسئلة جوهرية عن الهوية السياسية، البراغماتية، والتحديات التي تواجهها الحركات الثورية في السودان، وعن قدرة هذه الحركات على توحيد صفوفها وتجاوز الانقسامات الداخلية لصياغة مستقبل مختلف للسودان.
