إبراهيم مطر: من دفاتر حرب التحرير .. “البرهان” يمنح السيسي شيكاً على بياض لانتهاك حقوق اللاجئين السودانيين بمصر

265
إبراهيم مطر ..

إبراهيم مطر

في مبنى الجوازات بالعباسية في العاصمة المصرية القاهرة أم سودانية تبكي، كان زوجها قد قضي قبل عام في الحرب، فاتجهت هي وأبنائها لمصر. وكانت تحمل في يدها بطاقة المفوضية وجوازاً ساري المفعول لابنها الذي تم القبض عليه من الطريق، وكانت تتساءل في حيرة وفي صوت جهور: “لماذا تصرون على ترحيل ابني مع إن كافة أوراقه سليمة؟”.

كانت “العباسية” هي ملاذها الأخير بعد أن طرقت كل الأبواب انتهاءً بمفوضية اللاجئين الكائنة في حي “أكتوبر”، والتي أخبرها فيها الموظف المسؤول بأنهم لا يستطيعون فعل شيء، وإن حمايتهم للاجئين في مصر منقوصة، ومشروطة بموافقة الحكومة المصرية، أي أن جهود حمايتهم للاجئين “معدومة”.

وأخيراً عطف عليها أحد الضباط، وانتحى بها جانباً ليهمس لها أن لا علاقة للأمر بوجود الأوراق الثبوتية لابنها أو سريان مدتها أو نوعها ما إذا كانت بطاقة لجوء أو إقامة، بل بزيارة البرهان الأخيرة والتي اتفق فيها مع الحكومة المصرية على الترحيل القسري للاجئين السودانيين بذريعة تعمير البلاد، مؤكداً لها بأن ابنها سيتم ترحيله في كل الظروف والاحوال، ونصحها بشراء تذكرة له لأن الموقوفين يظلون بالحبس حتى يعرف أهلهم إنه تم القبض عليهم، ومكان توقيفهم، ويقوموا بشراء تذاكر لهم.

أي أنه “وبترخيص من البرهان”، ظل النظام المصري يبطش باللاجئين السودانيين لحد التعذيب داخل المعتقلات، بعد أن أخذ من قائد الجيش “شيكاً على بياض” لإهانتهم، بغرض إرغامهم على العودة للسودان. فقد جاء في تحقيق أجرته منصة اللاجئين في مصر (RPE) بالتعاون مع ”ذا نيو هيومنيتاريان” في مايو من العام الماضي، إن قوات حرس الحدود المصرية، أطلقت النار على اللاجئين في المناطق الصحراوية، ثم اعتقلتهم ورحَّلتهم دون أي إجراءات قانونية. وقال آخرون إنهم اعتقلوا في بلدات ومدن مختلفة، واتهمتهم السلطات الأمنية بجرائم زائفة، بما في ذلك التهريب، أو الانضمام إلى جماعة تهريب إجرامية أو “إلحاق ضرر جسيم” بمصر.

وقال لاجئون ومحامون إن الأطفال والمسنين والأفراد الذين أصيبوا بجروح خطيرة في أثناء رحلاتهم إلى البلاد كانوا من بين المرحلين، وكذلك السودانيون الذين سجلوا لدى المفوضية. في إحدى الحالات، أكَّد أحد المحامين ترحيل أشخاص على الرغم من حصولهم على وضع اللاجئ.

وتشمل القواعد العسكرية التي حددها التحقيق كأماكن احتجاز للاجئين السودانيين، أماكن سبق وأن مات أو اختفى فيها في الماضي المدافعون عن حقوق الإنسان والمعارضون المصريون من قبل الأجهزة الأمنية، وصفها اللاجئون بمرافق تنتشر فيها القوارض ومياه الصرف الصحي الفائضة، قال أحد اللاجئين إنه احتُجز فيها لمدة 70 يوماً. فإلى أي مدى تتحكم الحكومة المصرية الحالية في مصائر السودانيين؟

من الواضح أن يد مصر داخل تشكيلة بورتسودان “طويلة”، كون الأخيرة مرتمية في أحضانها بالكامل. ضباط الأمن المصريون يسألون اللاجئين “من أي منطقة أنت في السودان؟” يحاولون تطبيق قانون “الوجوه الغريبة” على طريقتهم الخاصة! فيا ترى في أي عصر اتفق حاكم مع خادم لمستعمر قديم على إهانة مواطنيه دون أن يطلق عليه لقب القواد؟ وأي تعمير لبلاد يتحول شبابها إلى رقيق في سجون القاهرة؟ “يشحنون” قسرياً إلى بورتسودان، فيُعرضون على كتائب “البراء بن مالك” أولاً لتختار منه ضحاياها كقطيع خراف، قبل أن يعرضوا على الاستخبارات العسكرية، ومليشيا العمل الخاص التابعة للحركة الإسلامية، وسائر عناصر المليشيات المتنفذة في بورتسودان ليختاروا ضحاياهم أيضاً، وقد يسجن ما تبقى من هؤلاء البؤساء لسنوات دون أن يعلم بأمره أحد، أو يفرج عنه ليأخذ مكانه في صفوف “البليلة”، لأنها هي أكثر ما “يعمر” الآن في عاصمة الخراب الكيمياوي السودانية.

ومثلما أسندت تشكيلة بورتسودان أمرها لخدم المستعمر القديم في الجارة الشمالية، فسيجد غمار الناس أنفسهم مجبرين على إسناد أمرهم لمصر، إن تبينوا حجم ما وصلت إليه من نفوذ. وما رفع العلم المصري في أحتجاجات أهالي وادي حلفا وقبض الأجهزة الأمنية المصرية على المعدنين السودانيين داخل أراضيهم واعتقالهم في سجون الجنوب دون رادع، إلا رأس جبل الجليد في مظاهر عودة خدم المستعمر القديم، من باب مساندة الجيش الإخواني.

لا أحد يعلم مدى ما يمكن أن تصل إليه مصر من فجور، في سبيل منع قيام حكومة وطنية في السودان، ولا إلى أين سيصل توحشها في سبيل ضمان استمرار استيلائها على حصة السودان من مياه النيل، وعلى المحاصيل الزراعية واللحوم الحية التي تشتريها بالعملات المزورة، وعلى ذهب السودان لدعم الاقتصاد المصري المنهار. قال الإعلامي الإخواني المصري “محمد ناصر” حينما عرف إن سد النهضة لم يؤثر على المياه في مصر نتيجة غياب بلد بأكمله عن المعادلة هو السودان: “أهم حاجة إن المية عندنا تمام”. ألا لعنة الله على إخوان الشياطين.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com