عمار سعيد: مصر بين تحالف الأمس وتحالف الغد .. هل تغيّر بوصلتها من “دولة 56” إلى “دولة 26”؟

124
عمار سعيد

عمار سعيد

منذ الاستقلال عام 1956 ظلّت مصر تتعامل مع السودان كحديقة خلفية تمدها بما تحتاج من الثروات والموارد، بينما ظلت النخب السودانية المركزية مجرد وكلاء محليين لإدارة هذه التبعية. فشلت القاهرة في ضم السودان رسمياً، لكنها نجحت في صناعة استقلالٍ شكلي، يتجدّد مع كل انقلاب عسكري رعته أو باركته لتعيد عقارب الساعة إلى الوراء. كلما حاول السودانيون كسر الحلقة الجهنمية، خرجت مصر عبر أدواتها لتعيد إنتاج التبعية بوجه جديد.

لكنّ أحداث ما بعد 15 أبريل قلبت المعادلة رأساً على عقب. الآلة العسكرية التقليدية التي طالما اعتمدت عليها القاهرة في تنفيذ “الخطة البديلة” تعرّضت هذه المرة لعطب قاتل، وصارت كرة ثلج متدحرجة تهدد بابتلاعها. جميع محاولات النظام المصري لإجهاض الثورة فشلت، وسقطت النخب القديمة التي مثّلت “كهنة المعبد” الذين باعوا موارد البلاد بأبخس الأثمان للجارة الشمالية.

مصر وأزمة فقدان الوكيل التقليدي

النظام المصري يواجه اليوم فراغاً استراتيجياً خطيراً. فجيش “دولة 56” بات مثقلاً بالجرائم ضد الإنسانية، متورطاً مع الإرهاب، فاقداً للثقة الدولية، ومعه الإسلاميون الذين تحالفوا مع القاهرة في لحظة يأس لم يقدّموا لها سوى المزيد من الأعباء. الفشل الذريع لهذا المعسكر جعل من استمرار الرهان عليه مخاطرة وجودية تهدد الأمن القومي المصري نفسه.

الأرقام الاقتصادية تكشف حجم الأزمة. صادرات الثروة الحيوانية، التي شكّلت شريان حياة لمصر، انخفضت من أكثر من 25 ألف رأس أسبوعياً إلى أقل من ألف رأس فقط. تكاليف التهريب الباهظة رفعت الأسعار، وأصبح واضحاً أن مصر لا تعيش فقط على شريطها النيلي الضيق، بل على ما تجود به كردفان ودارفور من موارد استراتيجية.

تحالف جديد مع الهامش الصاعد؟

المفارقة أن هذه المناطق – كردفان ودارفور – أصبحت الآن تحت سيطرة تحالف تأسيس بشكل كامل. هذا التحالف لا ينطلق من بوابة المركز النيلي التقليدي، بل من الهامش الذي ظلّ لعقود طويلة خارج معادلة السلطة والثروة. وهنا تكمن المعضلة: القاهرة تدرك أن أي استخدام للسلاح الكيميائي في هذه المناطق ستكون تأثيراته كارثية عليها مباشرة، وأن فقدان شرايين الإمداد الحيوي من الثروة الحيوانية والموارد الأخرى يعني أزمة خانقة لا يمكن للنظام المصري تحمّلها.

وبينما ترفض قوى الهامش الجديد أن تمر مصالحها عبر “الوسطاء النيليين” أو تحت وصاية النخب القديمة، تجد القاهرة نفسها أمام خيار وحيد: عقد صفقة مباشرة تحفظ لها بعض مصالحها الاستراتيجية، حتى لو كان الثمن خسارة جزء من السيطرة القديمة. فخسارة البعض أهون من خسارة الكل.

مصر عند مفترق الطرق

المعادلة الجديدة تضع النظام المصري في اختبار غير مسبوق:
• إما التمسك بتحالف الأمس مع جيش متصدع ونخب انتهى عمرها الافتراضي،
• أو الدخول في شراكة مضبوطة مع تحالف الهامش الجديد، بشروط مختلفة تقوم على المصالح المتبادلة لا التبعية.

إنها لحظة تاريخية، إذ لم تعد مصر تملك رفاهية الانتظار أو المغامرة بقطع شرايين حياتها الاقتصادية. التغيير الجذري في موازين القوة داخل السودان يفرض على القاهرة إعادة رسم سياستها، وربما التخلي عن عقيدة “الحديقة الخلفية” لصالح مقاربة أكثر واقعية تضمن لها البقاء.

فهل نشهد ميلاد تحالف مصري جديد مع “دولة 26”، يكون هذه المرة على أسس مختلفة، أم أن القاهرة ستظل أسيرة لعادتها القديمة حتى تسقط في فخ الانهيار الذي ظلت تهرب منه لعقود؟

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com