منال علي محمود تكتب: البوبجي..!!

230
منال على محمود

منال علي محمود

[email protected]
المعارك الراهنة إذا نظرنا إلى الخارطة ليست محاور ارتكاز، بل محاور التفاف، مواقع تتبدل أياديها في ساعات ثم تُهجر، بلا معنى أو غاية. وكأن الجيش يحاكي لعبة الكراسي الموسيقية لا معركة حقيقية. دارفور، تلك الأرض التي لطالما أغدقت على السودان بالدولار من ذهبها الأبيض الصمغ العربي، ومن حبوبها وثرواتها، تُستنزف اليوم في حرب بين أبناء الوطن الواحد.

وفيما الفاشر تختنق تحت حصار طويل لم يُفك حتى الآن، نسمع كل يوم عن قرى صغيرة أو محطات سيارات تُداس فيها الأرض بأقدام الحرب. لماذا إذن تُستهلك الطاقات في معارك جانبية بينما المدينة الكبرى بحاجة إلى فك الحصار عنها؟ سؤال لا يطرحه إلا العاقل، ولكن يبدو أن صوت العقل أصبح عملة نادرة.

وها هو الفريق كباشي، أحد كبار قادة الجيش، يطل من محور كردفان مرتدياً الكدمول فوق بزته العسكرية، في مشهد بدا أقرب إلى إراقة ماء الوجه منه إلى استعراض قوة. لم يحدث في تاريخ الجيش أن اختلط زيه الرسمي بزي آخر، لكننا رأينا ذلك بأعيننا. وهذا لعمري ليس استعراضاً للتماهي مع البيئة، بل صرخة من جيش يعاني قادته من ارتجاج مخي أجبر التراتبية العسكرية على التعايش معه، وكأنه يقنن فقدان العقيدة.

إن محور كردفان الذي احتفى به كباشي ليس مجرد منطقة جغرافية، بل هو شريان التجارة الخارجية، طريق عبور البضائع إلى الموانئ والأسواق. من يسيطر عليه يضع يده على قلب الاقتصاد السوداني. ولكن ما جدوى السيطرة إذا كانت البلاد كلها تتهاوى تحت وطأة حرب لا رابح فيها؟

لكن التجريف الذي أفرزته هذه الحرب لم يقتصر على الأرض والثروات وحدها، بل تمدد إلى هوية الإنسان السوداني نفسه. صار الأقسى من الدانات والمدافع أن يُطلب منك إثبات سودانيتك قبل دخول أي مدينة، وأن يتواصل الطرد، إن لم يكن عبر القذائف، فهو عبر الأوراق التي ضاعت أو (تعثرت) ولم تُستخرج بسبب الحرب. كأن الوطن قد صار يفرز أبناءه، وكأن القتل يمكن أن يتم بقانون غير مكتوب، قانون الوجوه الغريبة.

وليس كل من يسكن هذا الوطن يملك أوراقاً ثبوتية، فثمة من عاش ومات في الأقاليم وهو لا يعرف أن الجواز لم يعد ذلك الدفتر العريض المليء بالأوراق الذي يسجل فيه اسم المسافر ووجهته. فجأة أصبح الوطن يُقاس بورقة، لا بالدم ولا بالجذور، وأصبح الحرمان من هذه الورقة سبباً كافياً للطرد أو الإذلال. هكذا تساوى القتل بالدانات مع القتل بالأختام. فمن يكفل أولئك الذين صاروا (بدون) في وطنهم، لا بقرار قضائي ولا بقانون دولي، بل بجريرة حرب جعلت الورق أهم من الإنسان؟

وإذا كانت المعارك الراهنة قد تحولت إلى لعبة بائسة تشبه البوبجي، فإن الحقيقة الصادمة أن الأرواح التي تُزهق ليست افتراضية ولا قابلة للإعادة. هنا تكمن المأساة الكبرى. لذلك فإن التشديد على ضرورة إيقاف الحرب لم يعد خياراً سياسياً أو ترفاً تفاوضياً، بل واجب وطني وأخلاقي.

ويبقى السؤال الذي يجلجل في الضمائر: هل حب الخير والسلام لهذا الشعب يحتاج إلى كروت ضغط من دماء أبنائه قبل أن يجلس القادة إلى مائدة التفاوض؟ أم أن في القلوب قسوة لا تذيبها حتى أنهار الدم؟

About The Author

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com