عمار سعيد: الاستثمار في القذارة بين السودان واليابان!!
عمار سعيد
في مطلع الألفية الثانية ، وُضعت دراسة جدوى قُدمت إلى والي الخرطوم آنذاك ، تقترح الاستثمار في *بناء المراحيض العامة* باعتبارها مشروعاً استراتيجياً يعود بعائد مالي مباشر على خزينة الدولة. بل إن واضعي الدراسة بالغوا في التفصيل حتى اقترحوا ربطها بالإيصال الإلكتروني، بحيث تتحول الإيرادات مباشرة “من المرحاض إلى الحساب البنكي”، في مشهد يجمع بين الهزل والمهزلة.
لكن النتيجة، كما اعتدنا في السودان، لم تكن مراحيض نظيفة ولا خدمات حضارية، بل استمرار معاناة المواطنين بين أسواق مزدحمة ومرافق معدومة. أما في المدارس، فقد تدخلت منظمات أجنبية لبناء مراحيض آمنة للأطفال، لتكتشف أن المباني التعليمية نفسها آيلة للسقوط. والغريب أن المراحيض التي شيدتها تلك المنظمات خرجت أكثر نظافة من مكاتب المديرين، فبادرت الإدارات إلى إغلاقها بأقفال محكمة وكتبت عليها: “خاصة بالإدارة”. ثم تحولت ليلاً إلى مصدر دخل إضافي لحراس المدارس!
قارنوا ذلك باليابان: في جامعة “هوكايدو” تحديداً، يوجد *بنك للبراز* أسسته منظمة غير ربحية تدعى OpenBiome، تدفع 40 دولاراً شهرياً للمتبرعين بفضلاتهم، بغرض استخدامها في مكافحة بكتيريا قاتلة تصيب نصف مليون إنسان سنوياً وتتسبب في وفاة نحو أكثر من 14 ألف منهم. هناك، يدخل المواطن إلى المرحاض ليخرج ليس فقط مرتاحاً، بل أيضاً مساهماً في البحث العلمي وحاملاً مقابلاً مادياً.
الفرق جلي:
- في اليابان، تحولت “القذارة” إلى *مورد اقتصادي وطبي*.
- في السودان، صارت “القذارة” *نهج حكم وفكر سياسي*.
إنها المفارقة الكبرى: شعوب تستثمر في الفضلات لتنقذ الأرواح وتدعم الاقتصاد، بينما نحن في السودان ما زلنا عالقين بين مراحيض تنهار على رؤوس الأطفال، وحكومات تحوّل أبسط الخدمات إلى ملف فساد جديد.
