د. مروة السيد: 15أبريل: زلزال الردة وسؤال الدولة .. من يحمي مستقبل السودان؟

9
marawa

دكتورة مروة السيد – استشارية جراحة القلب والأوعية الدموية – السعودية

 

تطل علينا ذكرى الخامس عشر من أبريل، لا كأرقام عابرة في رزنامة الزمن السوداني المثقل بالجراح، بل كصرخة مدوية كشفت المستور وأزاحت الستار عن أبشع مؤامرة حيكت في ليل بهيم ضد تطلعات شعب بأكمله. إنها ذكرى لم تكن مجرد صدام عسكري عابر، بل كانت “رصاصة الردة” التي أطلقها فلول نظام المؤتمر الوطني وقيادات الحركة الإسلامية، في محاولة يائسة وأخيرة لاختطاف الدولة والعودة بها إلى عصور الظلام والاستبداد، بعد أن لفظهم الشعب في ثورة ديسمبر المجيدة.

جذور المؤامرة – حين أشعل الفلول فتيل الحريق

لم تكن حرب 15 أبريل وليدة الصدفة، بل كانت تتويجًا لأشهر من التحريض الممنهج الذي قادته غرف العمليات التابعة للحركة الإسلامية و”كتائب الظل”. لقد أدرك هؤلاء أن قطار “الاتفاق الإطاري” كان يقترب من وضع السودان على طريق انتقال ديمقراطي حقيقي، خاصة بعد توقيع قوات الدعم السريع عليه وإبداء تأييدها الكامل له، وهو ما يعني بالضرورة تفكيك إمبراطوريات الفساد والتمكين التي شيدوها على مدى ثلاثين عاما. لذا لم يجدوا بدًا من إحراق البلاد بأكملها، مراهنين على أن الفوضى هي الجسر الوحيد الذي قد يعيدهم إلى كراسي السلطة فوق أشلاء الوطن.

لقد كان المخطط واضحًا هو “جر البلاد إلى أتون حرب، وتصوير الأمر كصراع على السلطة، بينما الحقيقة تكمن في رغبة محمومة لـ”الكيزان” في استعادة دولتهم المختطفة، تلك الدولة التي لم تكن يوما ملكًا للشعب، بل كانت إقطاعية خاصة تدار بعقلية العصابة والولاء التنظيمي الضيق.

سؤال الدولة – من يحمي الفكرة ومن يحدد المسار؟

في ذكرى اندلاع هذه الحرب، يبرز سؤال جوهري يتجاوز ضجيج الاليات الحربية؛ من يحمي فكرة الدولة في السودان؟ وهل الدولة مجرد مؤسسات موروثة، مثقلة بإرث الاستبداد والفساد، أم أنها “فكرة” المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية؟

إن الصراع الدائر اليوم هو، في جوهره معركة لتعريف “ماهية الدولة”. فبينما يسعى الفلول إلى إعادة إنتاج دولة “المركز القابض” التي تهمش الأطراف وتقتات على دماء مواطنيها، تبرز ضرورة ملحة لبناء دولة جديدة تحميها إرادة التغيير لا تحالفات الإسلاميين والمصالح المشبوهة.

إن الدولة التي لا تحمي مواطنيها من تغول التنظيمات الأيديولوجية المتطرفة، ولا تضمن لهم حق المشاركة في صنع القرار، هي دولة فاشلة في جوهرها حتى وإن امتلكت أعتى الترسانات العسكرية.”

الدعم السريع – الفاعل السياسي في معركة المستقبل

إن من يحدد مسار الدولة اليوم ليس أولئك الذين يختبئون خلف الشعارات الزائفة ويدعون حماية “السيادة”، وهم أول من انتهكها عبر الاستحواذ على مفاصل الدولة وبيع مقدرات البلاد، بل هم الفاعلون الحقيقيون على الأرض الذين يتصدون لمشروع الردة ويؤسسون لواقع سياسي جديد لا مكان فيه لشمولية الحركة الإسلامية. وضمن هذه الرؤية لم يعد من الممكن النظر إلى قوات الدعم السريع كمجرد طرف عسكري في هذا الصراع، خاصة بعد أن أثبتت الوقائع أن هذه القوات كانت الصخرة التي تحطمت عليها أوهام الفلول، بدءًا من انحيازها لثورة ديسمبر ومشاركتها في المشهد الذي أسقط النظام السابق، وامتناعها عن تنفيذ أوامر مباشرة بقتل المتظاهرين أو فض اعتصام القيادة العامة، في الوقت الذي كانت فيه اللجنة الأمنية للنظام تمضي في مسار التصعيد وتتحمل مسؤولية القرارات المتعلقة بالقمع وفض الاعتصام، وفي هذا السياق برزت التحولات التي أعادت تشكيل موازين القوى داخل المشهد السياسي والأمني حيث ساهم دخول قوات الدعم السريع على خط الأحداث في تقويض مركزية القرار القديم، وفتح الباب أمام إعادة ترتيب المعادلات داخل الدولة. كما تشير وقائع تلك المرحلة إلى أن اعتقال عدد من قيادات النظام السابق بما فيهم الرئيس المعزول عمر البشير، تم في سياق تلك التحولات التي شاركت فيها عدة أطراف داخل المنظومة الأمنية، مع إبراز دور الدعم السريع ضمن هذا المسار.

ومع تطور الصراع السياسي لاحقا، وقفت قوات الدعم السريع في مواجهة محاولات عودة رموز النظام السابق وفلول المؤتمر الوطني إلى السلطة، واصطدمت بشكل مباشر مع قوى كانت تسعى لإعادة إنتاج النظام القديم بأدوات جديدة. وبتصديها لقيادات الحركة الإسلامية وامتداداتها السياسية والعسكرية، ومع دخولها في صراع مفتوح مع تلك المنظومة، تحولت قوات الدعم السريع من مجرد مكون عسكري إلى “قوة فاعلة” ومؤثرة في إعادة تشكيل موازين القوى وفي معركة أوسع تتعلق بتعريف مستقبل السودان السياسي واتجاهاته المقبلة.

إن انخراط الدعم السريع في هذه المواجهة لم يكن دفاعًا عن وجود عسكري فحسب، بل كان انحيازًا تفرضه الضرورة التاريخية لخيار التغيير الجذري الذي ينشده الشعب السوداني، ويعكس تحولًا في طبيعة الدور الذي تضطلع به هذه القوات داخل المشهد الوطني. ويجعل ذلك منها جزءًا أصيلًا من معادلة “السودان الجديد”، حيث تسهم في كسر احتكار السلطة الذي مارسته النخب المرتبطة بالنظام البائد، وفتح المجال أمام إعادة صياغة موازين القوة على أسس أكثر تنوعًا وتعددًا، بما ينسجم مع تطلعات الشعب السوداني نحو نظام سياسي ديمقراطي مختلف عن الماضي يعبر عن تطلعاته في بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي يختارها الشعب، وعليه فإن دور قوات الدعم السريع اليوم يتجاوز الميدان العسكري ليمتد إلى صياغة رؤية سياسية ترفض العودة إلى الوراء، وتؤكد أن مستقبل السودان يحدده أبناؤه المؤمنون بالدولة المدنية الديمقراطية التي تتسع للجميع، وتقوم على مبادئ الشراكة والعدالة في توزيع السلطة والثروة، بما يضمن عدم احتكار القرار السياسي من قبل أي جهة أو تيار، ويفتح المجال أمام بناء دولة حديثة تستوعب التنوع السوداني بكل مكوناته.

حتمية الانتصار لفكرة الدولة الحديثة

إن العودة إلى ما قبل 15 أبريل ضرب من الخيال، فالدماء التي سالت والدمار الذي طال الأخضر واليابس قد وضعا حدًا نهائيًا لعصر “التمكين” الإخواني وإن ذكرى الحرب يجب أن تكون دافعًا لتوحيد الجهود نحو بناء دولة المؤسسات الحقيقية، الدولة التي لا تخضع لابتزاز الفلول ولا ترتهن لأجندات التنظيمات العابرة للحدود. إن معركة السودان اليوم هي معركة “الوعي” قبل أن تكون معركة “السلاح”، وهي معركة ستنتهي حتمًا بانتصار فكرة الدولة الحديثة، دولة المواطنة والكرامة، التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون، وتكون فيها السيادة للشعب وحده، بعيدًا عن وصاية “تجار الدين” وفلول الأنظمة البائدة.

What do you feel about this?

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com