المهندس صديق أندر: الجيش السوداني .. ماضٍ ممجوج، وحاضر بئيس، ومستقبل مظلم
المهندس صديق أندر
تروى حكايات الأمم غالبًا عبر أبطالها ومؤسساتها العسكرية التي تُشكل درعها وسيفها. وفي بلدى السودان، لطالما كان الجيش رمزًا للسيادة، حاملًا على عاتقه إرثًا من التضحيات والانتصارات (في الكتب المدرسية فقط)، لكن هذا الماضي التليد يتلاشى اليوم أمام حاضر بئيس ومستقبل يلفه الظلام.
الماضي الممجوج خلاف لما درسناه في المدارس واحتفلنا به في اعياد الاستقلال بأنه حارس السيادة وباني الدولة
بل ارتبط اسم الجيش السوداني، منذ نشأته(بواقى المستعمر)، بملاحم البطولة والتضحية. من معارك الاستقلال (لم توجد)، مرورًا بمساهماته في حفظ الأمن الإقليمي ب من شارك في حروب في مصر والعراق والكويت، وصولًا إلى دوره السلبى في بناء الدولة الوليدة بالانقلابات المتكررة. كان هذا الجيش، في لحظات تاريخية ممجوجا، ومن الحقائق انه يمثل بوتقة تنصهر فيها التنوعات الإثنية والجهوية (غير متساوية فى الحقوق والواجبات)، ومن اهم مهامه اعلا راية الوطن فوق كل اعتبار. جنوده، من مختلف بقاع السودان، وقفوا صفًا واحدًا في وجه التحديات، حاملين قيم الشرف والانضباط، ومقدمين أرواحهم فداءً للتراب والكرامة الوطنية. لقد كان جيشًا له هيبته ، يحظى باحترام الشعب، ويُنظر إليه كضامن للاستقرار وحارس للحدود لكن قادته اضاعوا الفرصة السانحة من بين ايدهم ولات حين مناص.
فالحاضر اليوم اصبح بئيسا بالحروب والنزوح والانقسام، التسييس، والانهيار الوشيك .
لكن هذا الماضي المشرق نوعا ما اصطدم بواقع مرير. فما نراه اليوم ليس جيش الأمس الارقط. لقد تحول الكيان العسكري، الذي كان يُفترض أن يكون موحدًا، إلى ساحة للانقسامات العرقية والجهوية، لقد تلاشت عقيدته الوطنية تحت وطأة التسييس والصراعات الداخلية. “أورطة الشايقية” في القيادة، و”البندقجية” من الهامش في قاعدة الهرم، لم يعد هذا مجرد توصيف، بل أصبح واقعًا ماديًا يمزق النسيج العسكري. لقد فقد الجيش بوصلته، وتحول من حامٍ للوطن إلى طرف في صراع داخلي، يتقاتل فيه أبناء الوطن الواحد. مشاهد الفوضى،قتل المواطنين بالمسيرات والانتهاكات الجسيمة، وفقدان السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد ، كلها شواهد على حاضر بئيس يدمي القلوب ويُفقد الثقة في هذه المؤسسة. لقد أضحى الجيش، الذي كان مصدر فخر، مصدر قلق وخوف، وباتت صورته مشوهة بما لا يمكن إصلاحه في المدى القريب.
المستقبل المظلم: شبح التفكك والضياع
وإذا كان الحاضر بهذا السوء، فإن المستقبل يبدو أكثر قتامة وضبابية وتغبيشا. فما لم يتم تدارك الوضع بإجراءات جذرية وشجاعة نحو توقيع سلام فورى وهام وبشكل عاجل، فإن شبح التفكك والضياع يلوح في الأفق. جيش منقسم على نفسه، يفقد ولاء جنوده وثقة شعبه، لا يمكن أن يحقق الاستقرار أو يحافظ على وحدة البلاد. استمرار النهج الحالي، القائم على إدارة الأزمات بالتحالفات الظرفية والخطاب المضلل، لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة وتوسيع دائرة الصراع. إن غياب قيادة وطنية جامعة، قادرة على لم شتات المؤسسة العسكرية وإعادة بناء عقيدتها على أسس مهنية ووطنية خالصة، يعني أن السودان قد يواجه سيناريوهات كارثية، تتراوح بين الانهيار الكامل للدولة أو تحولها إلى دويلات متناحرة، حيث لا يعود هناك جيش بالمعنى الوطني، بل مجرد ميليشيات مسلحة تتقاتل على النفوذ.
خاتما ندعو الحادبين من عقلاء السودان للصحوة الان وقبل فوات الأوان.
إن إنقاذ الجيش السوداني، وبالتالي يعتبر إنقاذ السودان، يتطلب صحوة حقيقية. يجب الاعتراف بمرارة الواقع، والتخلي عن المكابرة، والبدء في عملية إصلاح شاملة وجذرية. يجب إعادة بناء الجيش على أسس وطنية بعيدة عن التسييس والانقسامات، جيش يمثل كل السودانيين، ويحمي مصالحهم، ويستعيد ثقتهم. بغير ذلك، سيبقى الماضي مجرد ذكرى مؤلمة، والحاضر بئيسًا، والمستقبل مظلمًا، وقد يجد السودان نفسه بلا جيش يحميه، وبلا وطن يوحده.
لله درك ياوطن .
